فهرس الكتاب
وإن النقد، في شكه بالمفاهيم التجميعية وبسخطه على الأمور المجسدة ونفوره من النقابات والمصالح الخاصة والإقطاعات ذوات الصبغة الامبريالية ومن تعويد الفكر على السير على الصراط المستقيم، يكون على أقرب ما يكون إلى نفسه ويكون، إن كانت المفارقة موضع تسامح، على أبعد ما يكون عن نفسه في اللحظة التي يبدأ بها تحوله إلى عقيدة منظمة. وعلاوة على ذلك فكلمة"ساخر"ليست بالكلمة النابية إن إضيفت إلى كلمة"مقاوم"لأن النقد بالأساس -ولسوف أكون هنا في غاية الوضوح- يجب أن يرى نفسه مشجعًا للحياة ومعارضًا، بحكم تكوينه، لأي شكل من أشكال الطغيان والهيمنة والظلم، مع العلم أن أهدافه الاجتماعية تتمثل بإنتاج المعرفة بحرية بعيدًا عن القسر ولمصلحة الحرية البشرية. وإذا اتفقنا مع ريموند ويليامز وهو يقول:"مهما كان مبلغ هيمنة منظومة اجتماعية فإن فحوى هيمنتها نفسها يعني ضمنًا تحديد أو اصطفاء المساعي التي تتعامل بها، ولذلك ليس بوسعها، بالتحديد الذي تطرحه، استنفاد الخبرة الاجتماعية كلها التي تتضمن، لذلك السبب، على نحو مستديم وكامن حيزًا لتصرفات بديلة ونوايا بديلة من تلك التي لما تحظ بعد بصيغة المؤسسة الاجتماعية أو حتى بصيغة المشروع الاجتماعي (24) ، يكون النقد عندئذ في ذلك الحيز الكامن في قلب المجتمع المدني، عاملًا لمصلحة تلك التصرفات البديلة والنوايا البديلة التي يكون دفعها أشواطًا إلى الأمام عبارة عن التزام فكري وبشري جوهري."