فهرس الكتاب
منذ ذلك الوقت الذي هجر فيه غلين غولد، عازف البيانو الكندي، مسرح الحفلات الموسيقية حصر عمله بتسجيل الأسطوانات الموسيقية وفي التلفاز والمذياع. وهنالك شيء من الخلاف بين النقاد عما إذا كان غولد دائمًا، أو أحيانًا فقط، ذلك المفّسر المقنع لهذه المعزوفة على البيانو أو لتلك، ولكن ما من شك في أن أية حفلة موسيقية من حفلاته الآن حفلة خاصة جدًا على الأقل. ومن المناسب هنا بحث مثل واحد عن الكيفية التي كان يعزف بها مؤخرًا. ففي عام 1970 أصدر أسطوانة من عزفه السيمفونية الخامسة لبيتهوفن بألحان بيانو فرانز ليسْت. وبغض النظر عن الدهشة التي يشعر بها المرء من اختيار غولد اختياره الغريب لهذه المقطوعة (التي بدت أغرب من المألوف حتى له، وهو الغريب جدًا أيضًا، لأن حفلاته المثيرة للجدل كانت تقترن سابقًا بالموسيقا الكلاسيكية أو الحديثة وحسب) ، فإن هنالك عددًا من الأمور المستغربة حول هذا الانعتاق الخاص. فموسيقا بيتهوفن على ألحان بيانو ليسْت لم تكن من القرن التاسع عشر فقط بل ومن أميز مظاهره أيضًا- إن تحدثنا من زاوية العزف على البيانو- علاوة على أنها ليست مطواعة لتحويل خبرة التناغم الموسيقي إلى مناسبة بهية يستعرض العازف نفسه فيها، لا بل وغزت ميدان الآلات الأخرى لتجعل من موسيقا هذه الآلات مناسبة استعراضية يكشف فيها عازف البيانو عن مهارته. إن معظم الأسطونات تميل عمومًا للظهور بمظهر التشوش والغلظة، وذلك لأن البيانو يحاول أغلب الأحيان أن ينسخ جوهر الصوت الأوركستري.