فهرس الكتاب
فبما أن ذينك الأمرين يسيطران بكل وضوح على المظهر الظرفي والتاريخي للقرآن (وعلى فرادته كحدث) ، وبما أن الواجب بأن يسيطر على استخدامات النص لاحقًا (أي على قراءاته) أيضًا، فإن ابن حزم يربط تحليله لصيغة فعل الأمر بفكرة فقهية عن الحد (hadd) ، الذي هو عبارة عن كلمة تعني الحد القواعدي المنطقي وتعني التخم بآن واحد معًا، إن ما يرشح في صيغة فعل الأمر، بين الأمرين بالقراءة والكتابة، هو الإتيان بلفظة (يقال عنها الخبر في العربية) ، وقد ترجمها آرلاندز بكلمة (enance ، وما هي إلا التحقيق الفعلي لمقصد دليل، أو لنية(niyah) . وهكذا فإن النية الدالة تصبح مرادفة الآن لا للنية السيكولوجية بل حصرًا لنية فعلية، تلك النية التي هي نفسها شيء دنيوي جدًا -فهي تحدث في الدنيا حصرًا، وهي آنية وظرفية بطريقة محددة جدًا وبطريقة على أوثق ارتباط بالموضوع أيضًا. فالتدليل على شيء لا يكون إلا باستخدام اللغة وحسب، واستخدام اللغة يعني استخدامها بناء على قواعد معينة للمفردات والإعراب، الأمر الذي يستوجب أن تكون اللغة في الدنيا ومنها أيضًا، ولذلك فإن المذهب الظاهري يرى أن اللغة تحافظ على انضباطها بواسطة الاستعمال الحقيقي، لا بواسطة الأمر المعنوي ولا بالحرية التأملية. وقبل كل شيء تقف اللغة بين الإنسان وبين اللامحدود الشاسع: فإذا كانت الدنيا عبارة عن منظومة هائلة من التشابهات بين الكلمات والأشياء المدركة بالحواس يكون عندها الشكل اللفظي -أي اللغة في استعمالها القواعدي العملي- هو ما يتيح لنا أن نعزل الأشياء المدركة المخصصة عن هذه التشابهات البالغة الترتيب. وهكذا فإن الأمانة لأمثال هذه الجوانب"الحقيقية"للغة هي، كما يقول آرنالدز عنها، نوع من أنواع ممارسة الانضباط الذاتي للخيال (8) .