فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 581

وثمة جانب آخر للشيء الذي كنت أقوله للتو. ففي إنتاج نصوص ذات استحقاق راسخ، أو عزم أكيد، على الدنيوية، فإن هؤلاء الكتاب وهذه الأنواع الأدبية يثبتون الكلام ويجعلون منه ذلك المجس الذي به، ولولاه، لحاول نص صامت ربط نفسه بعالم المحادثة. وبتثبيت الكلام أقصد أن تبادل المواضع بين متحدث ومستمع، تبادلًا استطراديًا كثيف الظرفية، يصار إلى جعله يقوم -وأحيانًا من باب التضليل- مقام المساواة الديموقراطية والحضور الثنائي في واقع الأمر بين متحدث ومستمع.

فالواقع لا يشير إلى بعد العلاقة الاستطرادية عن المساواة وحسب، بل ويشير أيضًا إلى أن محاولة النص الظهور، ظاهريًا، بأنه مفتوح ديموقراطيًا لكل من قد يقرأه لمحاولة تجسد فعلًا من أفعال السوء النية. (وعرضًا نقول أن إحدى نقاط القوة في النظرية الظاهرية الإسلامية تكمن في أنها تبدد الوهم الذي مفاده أن القراءة السطحية، وهي مطمح الظاهريين، تعني أي شيء إلا الصعوبة) . وإن نصوصًا طويلة طول رواية"توم جونز"تتقصد ملء الفراغ من ذلك النوع الذي لا يتاح ببساطة لأي إنسان. وعلاوة على ذلك فإن كل النصوص ترحّل بالأصل نصوصًا أخرى أو أنها، وهذا هو الأعم على الأغلب، تحل محل أشياء أخرى.

فالنصوص ما هي جوهريًا إلا، كما كان يرى نيتشه بمنتهى حدة ذهن، وقائع سلطة لا وقائع تبادل ديموقراطي (24) . إنها تستحوذ على الانتباه وتجبره على التحول بعيدًا عن الدنيا حتى لو كان أصل مقصدها كنصوص، مقرونًا بالفاشستية المتأصلة في سلطان السلطة المتعاملة مع الكتّاب (إن التكرار في هذه العبارة توكيد مقصود على الحشو في صلب النصوص كلها نظرًا لأن كل النصوص، بطريقة ما، عبارة عن توكيدات ذاتية) ، يفضي إلى توطيد أركان السلطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت