فهرس الكتاب
إننا غالبًا ما ننسى أن الفيلولوجيا الغربية الحديثة، التي تبدأ في مطلع القرن التاسع عشر، تنطحت لتعديل الأفكار المقبولة عمومًا عن اللغة وعن أحوالها المقدسة. ولقد حاول ذلك التعديل أولًا أن يقرر أية لغة كانت الأولى وبعدئذ، عند إخفاقه في تحقيق ذلك الطموح، انتقل إلى الانحدار باللغة إلى ظروف مخصصة: زمر لغوية، نظريات تاريخية وعرقية، فرضيات جغرافية وأنتروبولوجية. وثمة مثل شيق على وجه التخصيص عن كيفية مسيرة هذه الاستقصاءات هو سيرة إيرنست رينان كفيلولوجي، لأن الفيلولوجيا كانت حرفته الحقيقية ولم يكن مضماره مضمار الحكيم المضجر. فأول عمل جاد من أعماله كان تحليله، عام 1848، للغات السامية، وهو العمل الذي حظي بشرف التنقيح والنشر في عام 1855 بعنوان"التاريخ العام والنظام المقارن للغات السامية"، ولولا هذه الدراسة لما كان بالإمكان كتابة"حياة المسيح" (Vie de Jesus) . لقد كانت الغاية من إنجاز"التاريخ العام"إطلاق الوصف العلمي بالدونية على اللغات السامية، وهي أساسًا العبرية والآرامية والعربية، وقد كانت الواسطة لثلاثة نصوص مقدسة كما أشيع نطق بها الله أو أوحى بها على الأقل- التوراة والقرآن ومن ثم الأناجيل. وهكذا ففي"حياة المسيح"كان بمقدور رينان أن يدرس قولته القائلة أن النصوص المقدسة المزعومة، التي جاء بها موسى أو يسوع أو محمد، ما كان من الممكن أن تتضمن أي شيء مقدس فيها، ما دامت نفس واسطة قدسيتها المزعومة، علاوة على أن متن رسالتها للدنيا وفي الدنيا، كانت مؤلفة من مثل تلك المادة الدنيوية الضحلة نسبيًا. وساق رينان الحجج للبرهنة على أن هذه النصوص، حتى لو كانت سباقة على كل النصوص الأخرى في الغرب، لا تحتل مكانة لاهوتية سامية.