فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 581

لقد انحدر رينان بالنصوص أولًا من مواد ذات وساطة مقدسة في شؤون الدنيا إلى مواد ذات مادية تاريخية. فالله كسلطان سلاطين الكتّاب صارت له قيمة ضيئلة بعد التعديلية النصية والفيلولوجية التي جاء بها رينان. ولكن رينان باستغنائه عن السلطة المقدسة أحل محلها السلطة الفيلولوجية. فالشيء الذي يحل محل السلطة المقدسة هو السلطة النصية للناقد الفيلولوجي الذي تتوفر فيه تلك البراعة لعزل اللغات السامية عن لغات الثقافة الهندية/ الأوربية. إن رينان لم يجهز على الفعالية النصية الهائلة للنصوص المقدسة الساميّة العظيمة وحسب، وإنما حصرها كأشياء للدراسة الأوربية في ميدان دراسي صار يعرف لاحقًا بالاستشراق (25) . فالمستشرق هو ذلك الإنسان الذي من صنف رينان، أو من صنف غوبينو، معاصر رينان، الذي كانت آراؤه موضع الاستشهاد بها هنا وهناك في طبعة"التاريخ العام"عام 1855، والذي تقوضت، بالنسبة إليه، السلسلة القديمة للنصوص الساميّة المقدسة وكأن تعويضها كان فعلًا من أفعال قتل الأقربين، مع العلم أن زوال السلطة المقدسة ييسر ظهور التشرنق العرقي الأوربي الذي يدفع طرائق البحث الغربي وكتاباته إلى حشر كل الثقافات غير الأوربية، والأدنى منها، إلى موقع من مواقع التبعية، فنصوص الاستشراق تحتل حيزًا دون أي تطور أو نفوذ، ألا وهو ذلك الحيز الذي يماثل تمامًا موقع المستعمرة المفيدة للنصوص والثقافة الأوربية. ويحدث هذا كله في نفس ذلك الوقت الذي بدأت تترعرع فيه الامبراطوريات الاستعمارية العظيمة، لا بل وترعرعت بالفعل في بعض الحالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت