فهرس الكتاب
، وإعانتهم على الحق، وإرشادهم إلى الخير؛ فيما بينهم وبينهم، دون تشهير أو تعنيف، قال- تعالى-: { فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } (1) .
س 89: هل البيعة واجبة أم مستحبة أم مباحة؟؛ وما منزلتها من الجماعة والسمع والطاعة؟.
جـ/ تجب البيعة لولي الأمر على السمع والطاعة عند تنصيبه إمامًا للمسلمين على الكتاب والسنة (2) ؛ والذين يبايعون هم أهل الحل والعقد من العلماء والقادة.
أما غيرهم من بقيّة الرّعية فهم تَبَعٌ لهم، تلزمهم الطاعة بمبايعة هؤلاء، فلا تطلب البيعة من كل أفراد الرعية؛ لأن المسلمين جماعة واحدة، ينوب عنهم قادتهم وعلماؤهم (3)
(1) ... طه: 44 .
(2) ... قال الشوكاني- رحمه الله-:"من أعظم الأدلة على وجوب نصب الأئمة، وبذل البيعة لهم: ما أخرجه أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبّان في صحيحه، من حديث الحارث الأشعري، بلفظ:"من مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية". ثم إن الصحابة لمّا مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدّموا أمر الإمامة ومبايعة الإمام على كل شيء؛ حتى أنهم اشتغلوا بذلك عن تجهيزه - صلى الله عليه وسلم -". السيل الجرّار": ( 4/ 504) ."
(3) ... يقول الإمام الشوكاني:"طريقها- أي: البيعة-: أن يجتمع جماعة من أهل الحل والعقد، فيعقدون له البيعة .. وأن المعتبر هو وقوع البيعة له - الإمام - من أهل الحل والعقد، فإنها هي الأمر الذي يجب بعده الطاعة ويثبت به الولاية، وتَحرُم معه المخالفة. وقد قامت على ذلك الأدلة وثبتت به الحجة."
وقد أغنى الله عن النهوض، وتجشُّم السفر، وقطع المفاوز ببيعة من بايع الإمام من أهل الحق والعقد؛ فإنها ثبتت إمامته بذلك، ووجبت على المسلمين طاعته.
... وليس من شرط ثبوت الإمامة: أن يبايعه كل من يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين؛ فإن الاشتراط في الأمرين مردود
= ... بإجماع المسلمين أوّلهم وآخرهم، سابقهم ولا حقهم )) .
"السيل الجرّار": ( 4/511،513) .
قد يقول قائل- وقد قيل، وسمعناه من بعضهم هنا وهناك-: إن البيعة لا تنعقد إلاّ للإمام العام للمسلمين جميعًا، كما هو الشأن في زمن الخلافة الراشدة.
فنقول وبالله التوفيق ردًّا على هذه الشُّبهة:
يقول الإمام الشوكاني- رحمه الله تعالى-:"إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه، مربوطة به ، كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول: أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة."
وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته؛ فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره و نواهيه؛ وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولا يته ، وبايعه أهله، كان الحكم فيه: أن يقتل إذا لم يتب؛ ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار.
فاعرف هذا؛ فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام، وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهت،
... لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعلقها". انتهى باختصار من"السيل الجرّار": (4/ 512) ."
وقد ترد شبهة أخرى؛ فيقال: لا تكون الإمامة إلا بالاختيار والرضى من الرعيّة .
فنقول: هذا الكلام لا يَرد إلا من اثنين:
= ... إما جاهل بالسنة: فهذا يُبيّن له الأمر، ونسأل الله أن يشرح صدره.
وإما صاحب هوى عرف الحق وعاند: فهذا ليس في مخاطبته حيلة.
وردًّا على هذه الشبهة؛ نقول- وبالله نستعين-: ليعلم الجميع من طلبة العلم وعامة الناس أنّ الخلافة والإمامة تنعقد بأمور:
إما بالاختيار لمن هو أولى وأفضل، كما حدث لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - .
وإما بعهد الأول إلى الثاني، كما عهد أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما.
وإما بالعهد إلى نفر معروفين معيّنين لاختيار واحد منهم، كما عهد عمر - رضي الله عنه - إلى أصحاب الشورى.
ثم لما استشهد عثمان بايعوا عليًّا رضي الله عنهما .
وإما بالغلبة والسيف، كما هو في عهد بني أمية وغيرهم؛ فقد حصلت الخلافة لبني أمية في الأندلس، والخلافة قائمة في بغداد للعباسيين ، والأئمة والعلماء متوافرون، منهم: حميد الطويل، وشعبة بن الحجاج، والثوري ، وحمّاد بن سلمة، وإسماعيل ابن عياش، وابن المبارك، وابن عييينة، ويحي القطان، والليث بن سعد، وغيرهم.
ولم يقل أحد منهم بإبطال قيام خلافة الأندلس، والبيعة لخليفتها.
ولا ننسَ أن لازم هذا المذهب- أي: أن الإمامة لا تكون إلا بالرضى- إبطال لخلافة علي وابنه الحسن رضي الله عنهما، الذي آلت إليه الخلافة بعد مقتل أبيه؛ إذ لم تجتمع جميع الأمة على بيعتهما. فتأمّّل وتدبر !!!.
... يقول الإمام أحمد - إمام أهل السنة: (( أصول السنّة عندنا: التمسّك بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والاقتداء بهم، والسمع والطاعة للأئمة ... البَرّ
... والفاجر؛ ومن وَلٍٍِِيَ الخلافة فاجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة ... ماضٍِ، وليس لأحد أن يطعن عليهم، وينازعهم...، ومن خرج على إمام المسلمين- وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقرُّوا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضى، أو بالغلبة- فقد شقّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية )) .
= ... من كتاب"أصول اعتقاد أهل السنة"للّلالكائي: ( 1/ 156- 161) .
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: (( الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان؛ له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا. لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصلح إلا بالإمام الأعظم ) )."الدرر السنّية": ( 7/239) .
يقول الإمام عبد العزيز بن باز - رحمه الله: ننصح الجميع بلزوم السمع والطاعة ، والحذر من شق العصا والخروج على ولاة الأمور مما يروا من المنكرات العظيمة، لأن هذا من دين الخوارج، وهذا غلط، هذا خلاف ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز لأحد شق العصا، والخروج، والذي يدعو إلى ذلك- الشرع أن - يُقتل والواجب على ولاة الأمور إن عرفوا من يدعو إلى هذا أن يأخذ على يديه بالقوة حتى لا تقع فتنة بين المسلمين.ا هـ. راجع كتاب:"الفتاوى المهمة في تبصير الأمة".