فهرس الكتاب
إنما النصيحة أن تتصل بولاة الأمور شخصيًا، أو كتابيًا، أو عن طريق بعض الذين يتصلون بهم (1) ، وتبلغهم نصيحتك سرًا فيما بينك وبينهم .
وليس من النصيحة - أيضًا -: أننا نكتب نصيحة وندور بها على الناس، أو على كل أحد ليوقعوا عليها، ونقول: هذه نصيحة . لا، هذه فضيحة؛ هذه تعتبر من الأمور التي تسبب الشرور، وتُفرِح الأعداء، ويتدخل فيها أصحاب الأهواء .
س 61: لقد انتشرت - ولله الحمد - الدعوة إلى منهج السلف والتمسك به، ولكن هناك من يقول: إن هذه الدعوة إنما هي لشق الصف وتمزيقه، وضرب المسلمين بعضهم ببعض ليشتغلوا بأنفسهم عن عدوهم الحقيقي، فهل هذا صحيح وما هو توجيهكم ؟ .
جـ / هذا من قلب الحقائق، لأن الدعوة إلى التوحيد ومنهج السلف الصالح تجمع الكلمة، وتوحّد الصَّف، كما قال الله - تعالى -: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا } (2) ، وقال تعالى: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } (3) ؛ فلا يمكن للمسلمين أن يتَّحِدوا إلا على كلمة التوحيد ومنهج السلف، وإذا سمحوا للمناهج المخالفة لمنهج السلف الصالح تفرّقوا واختلفوا، كما هو الواقع اليوم .
فالذي يدعو إلى التوحيد، ومنهج السلف؛ هو الذي يدعو إلى الاجتماع، والذي يدعو إلى خلافه؛ هو الذي يدعو إلى الفُرقة والاختلاف (4)
(1) ... مثل: العلماء - وفقهم الله - .
(2) ... آل عمران: 102 .
(3) ... الأنبياء: 92 .
(4) ... إن الدعوة إلى التوحيد عند (( فرقة التبليغ ) )وفِرقة (( الإخوان المسلمون ) )أمر مُنَفِّر، ومفرّق للمسلمين- زعموا -، ولا يرون الدعوة إلى التوحيد من أصول دعوتهم، ولا يرضون بمن يدعون إلى التوحيد، بل إنهم يحذرون من يدخل معهم من أن يتكلم في التوحيد .
... وهذه واقعة وقعت للأستاذ: محمد بن عبدالله بن محمد الأحمد نفسه، ذكرها الشيخ حمود التويجري - رحمه الله - في كتابه:"القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ" (ص 46) ، باختصار .
(( فقال الأستاذ محمد: طلب مني الأمير - يعني: أمير"فرقة التبليغ"- توجيه كلمة إلى الحُجَّاج بعد صلاة العصر، وحيث أَنّي حديث عهد بالخروج مع هذه الجماعة، فقد طلب الأمير من مساعده توجيه كلمة إليَِّ، فقال المساعد: يجب عليك أن تتجنب في حديثك ثلاثة أشياء - وذكر منها وهو المقصود - الكلام في
= ... الشركيات وأنواع البدع، لأن سبب انحسار دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب هو الاهتمام الزائد في ذلك )) .
قلت: والأمثلة في ذلك كثيرة جدًا، راجع الكتاب المذكور تجد العجب العجاب .
أما (( فرقة الإخوان المسلمون ) )فإن هذه الفرقة مؤسسة على التجميع، فهي تجمع بين طيّاتها جميع أهل البدع والأهواء، فالرافضي أخوهم ومنهم وفيهم، وكذا الجهمي والمعتزلي والخارجي، وأصحاب الموالد،والقبوري، والصوفي،بل اليهودي والنصراني.
وخذ هذا البرهان:
... قال حسن البنا: (( إن خصومتنا لليهود ليست دينية، لأن القرآن الكريم حض على مصافاتهم ومصادقتهم ) )سبق تخريجه حاشية ( 54 ) .
سئل سماحة الإمام ابن باز - رحمه الله - عن هذه المقولة، فقال:"هذه مقالة باطلة خبيثة . اليهود من أعدى الناس للمؤمنين ومن أشر الناس، بل هم أشد الناس عداوة للمؤمنين مع الكفار فهذه المقالة خاطئة ظالمة، قبيحة، منكرة ."
وقال أيضًا - رحمه الله -: إذا قال ليس بين الإسلام وبين اليهود شيء فهذا كفر وردة . نقلًا من كتاب"العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم"ص: ( 65-66 ) ط. الثانية .
... وفي حق النصارى، ما نقل جابر رزق ( الإخواني ) في كتابه:"حسن البنا بأقلام تلامذته ومعاصريه"ص: ( 188 ) مقالًا للدكتور حسان حتحوت ( الإخواني ) بعنوان: (( تهمة التعصب ) )؛ فقال: فماذا عن (( قنا ) )؟، البداية حفل كبير زاخر على رأسه علماء المسلمين وقُسس الأقباط، ومحبة، ونشاط، وإخاء يسري كسري الكهرباء ... وعلى ذكر قسس الأقباط؛ فإن الكثيرين يحاولون أن يلصقوا بالرجل - يعني به: حسن البنا - ودعوته تهمة التعصب ضد النصارى، أو التفرقة بين عنصري الأمة، ويشهد الله ومن حضر من الصادقين أن العكس هو الصحيح ... فلم يكن الرجل داعية بغض ولا تفرقة، وكان يبرهن أن الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تكون للأقباط لأنها ستطبق علينا وعليهم على السواء، وأنها لا تصادر على الإطلاق نصرانيّة النصراني، فإنما هي مجموعة من القوانين لا يوجد في النصرانيّة بديل لها، ولا نقيض لأحكامها، وأنه لو وجدت في الإنجيل قوانين فلتسر=
= ... قوانين الإنجيل على النصارى، ولا يجد الإسلام غضاضة في ذلك، وأنه ما دام رأي الأغلبية لا يتنافى مع دين الأقلية فليس هناك ظالم ولا مظلوم .
وقد وجدتْ دعوة الرجل- حسن البنا - صداها وتصديقها لدى ذوي الفهم من المسلمين والأقباط ... ويكفي أن أُذكّر الذين يزعمون أن الرجل كان عدوّ النصارى بأن الأستاذ"لويس فانوس"من زعماء الأقباط -وهو في ذمة ربه الآن- كان من الزبائن المستديمين لدرس الثلاثاء الذي يلقيه"حسن البنا"، وكانت بينهما صداقة وطيدة، وأن"حسن البنا"عندما تقدم مرشحًا للانتخابات"البرلمان"كان وكيله الذي يمثّله في مقر إحدى اللجان الانتخابية رجلًا قبطيًا، وأن حسن البنا لما اغتيل ومنعت الحكومة أن يشيع في جنازة، لم يمش وراء نعشه إلا رجلان هما والده ومكرم عبيد الزعيم السياسي النصراني، وأذكر أننا كنا ونحن طلاب نزور جمعيات الشباب المسيحية لنتحدث عن موقف الإسلام من النصرانية، فنخرج وقد شعرنا أنهم أقرب الناس مودّة )) ا هـ .
... قلت: لا يحتاج هذا المقال إلى تعليق فإنه واضح، وأكتفي بهذا المقال الذي نقلته وإن كان طويلًا، إلاّ أني أردت أن يفهم الجميع أن قاعدة (( الإخوان المسلمون ) ): التجميع تحت اسم الإسلام، ولا يهمهم تصفية العقائد، لأن الدعوة إلى التوحيد، ومنهج السلف؛ لا توصلهم إلى مصادقة اليهود، والنصارى، والرافضة، وأهل البدع، والأهواء الضالة المضلة .
وقاعدتهم هي عبارة حسن البنا المشهورة، قال الدكتور حسان حتحوت: (( ومن تعاليم الأستاذ"البنا"التي طالما ردّدها بلا ملل؛ قولته المشهورة التي لا تزال حيّة إلى اليوم:"ننفذ معًا ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه") )من الكتاب المذكور ( ص 190 ) . قال الإمام ابن باز - رحمه الله - أما عُذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه . فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض، أما ما خالف النص من الكتاب والسنة فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة والموعظة الحسنة . مجموع فتاواه: ( 3/58 ) .وهذه المقولة على إطلاقها واضحة جلّية أنها =
= ... تعارض قاعدة الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله، وأصلها قاعدة صاحب مجلة"المنار"المعروفة، انتحلها الإخوان؛ لأنها وافقت هوىً في نفوسهم:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
يقول الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - في كتابه"حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية": (ص 149) . معلقًا على هذه العبارة"ننفذ معًا"المشهورة عند (( الإخوان المسلمون ) )والمعترف بها عندهم؛ يقول:
"وهذا تقعيد حادث فاسد، إذ لا عذر لمن خالف في قواطع الأحكام في الإسلام، فإنه بإجماع المسلمين لا يسوغ العذر ولا التنازل عن مسلمات الاعتقاد، وكم من فرقة تنابذ أصلًا شرعيًا وتجادل دونه بالباطل ؟ ."