فهرس الكتاب
وقال - رحمه الله تعالى:"ومن المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فان معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذا اللفظ إنما يراد للمعنى""مجموع الفتاوى" (5/ 175) .
وعليه .. فما تقدم تفريع عما سبق من كون الصحابة - رضي الله تعالى عنهم- اهتموا - بادئ ذي بدء - بحفظ القرآن عن حفظ السُّنَّة، وحفظا، والحمد لله تعالى [1] .
قوله:"كما ثبت وجود أحاديث ضعيفة وأحاديث لا ثقة فيمن رواها مما تسبب في وجود علم الجرح والتعديل"والسؤال الملجم والاستبيان المفحم: وهذا العلم الشريف المنيف من واضعوه ولما وما ثمرته، وعلاما يدلّ، فاحذره وجرحه! سبحان الله.
خامسًا: بيان أنه ثمت فروق بين القرآن والحديث - القدسي منه والنبوي- ومنها: أن القرآن متعبد بلفظه خلافا لغيره، وفي هذا إجابة متممة مع عاليه على قوله ( ... كان لا بد أن نرث هذا التفسير لأنه أعظم تفسير للقرآن في الوجود فهو - عندئذ - تفسير خاتم الأنبياء والمرسلين الذى يأتيه وحي السماء ولا يمكن أن ينطق عن الهوى) مع ضميمة الاتفاق على رواية الحديث بالمعنى - وفق شروط - خلافا للقرآن المجيد.
سادساُ: أما قوله: (وكان لا بد أن يكون هذا التفسير مسلسلًا من أول سورة الفاتحة مرورًا بسورة البقرة ثم آل عمران ثم النساء وهكذا حتى سورة الناس ... وهنا سيكون بين أيدينا تفسير للقرأن قام به أعظم وأشرف خلق الله وهو الرسول الخاتم الذى لا ينطق عن الهوى، فأين إذًا هذا الكتاب؟)
قلت: والجواب: سهل ميسور، خذ بأي تفسير سلفي أثري تجد بغيتك، تجد التفسير من كلام الله تعالى وكلام رسوله وأقوال السف الصالح - الكتاب والسُّنَّة والأثر- ما يدفع الجهل ويرفع الاشتباه، وهذا ما دعوناكم إليه مرارا وغيركم، وهو فرع عن باب"مصادر التلقي".
(1) (متممة) طرق تفسير القرآن: قال شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله تعالى- في معرض حديثه عن تفسير القرآن:
"إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكان فإنه قد فُسِّرَ في موضع آخر، وما اخْتُصِر من مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له."
بل قد قال الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فهو مما فهمه من القرآن.
قال اللّه تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]
وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]
وقال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64]
ولهذا قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السُّنَّة.
والسُّنَّة ـ أيضًا ـ تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم- لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (بم تحكم؟) قال: بكتاب اللّه. قال: (فإن لم تجد؟) قال: بسنة رسول اللّه. قال: (فإن لم تجد؟) قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في صدره وقال: (الحمد لله الذي وفق رسولَ رَسُولِ اللّه لما يرضى رسولَ اللّه) ، وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد.
وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين؛ مثل عبد اللّه بن مسعود.
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كُرَيْب، قال: أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق؛ قال: قال عبد اللّه ـ يعني ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب اللّه إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلمُ مكان أحد أعلمَ بكتاب اللّه مني تناوله المطايا لأتيته.
وقال الأعمش أيضًا عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"."