إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد،
فإن الله سبحانه وتعالى قد خلقنا لعبادته وعبادة الله ذلُ وخضوع خوف ورجاء ومحبة وعمل باللسان والقلب والجوارح. نسير إلى الآجال في كل لحظة وأيامنا تطوى وهن مراحل، وهكذا لا تزال هذه الأيام تحملنا إلى الله تعالى. وكل يوم نحن أقرب إلى لقاء الله من الذي قبله وهنا ينبغي محاسبة النفس والاستعداد ليوم الرحيل. وهذا الزمن الذي يمر علينا نعمة ومستودع ينبغي ملؤه بالأعمال الصالحة"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا"
وهذه الإجازات التي تأتي اليوم فرصة عظيمة ينتهزها ويستثمرها أهل طاعة الله سبحانه وتعالى وينظرون مليًا بأي شيء يملؤها وماذا يفعلون فيها ومن ندم على ما فرط استعد للعمل وتحمس
وما أقبح التفريطَ في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شاعل
ترحّل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام وهن قلائل
فهذه هي الإجازة فما هو مشروعك يا عبد الله؟ وبأي شيء ستنشغل فيها؟ هلا تأملت قليلًا وفكرت بأي شيء ستنتهز أيامها؟ هل أعددت أمورًا وفكرت فيها؟ هل لديك أعمال مشروعة تملأ بها هذه الأوقات؟ وهل لديك وضوح في الهدف ومراعاة لأحوالك تأتي هذه الأعمال موافقة لما عندك من الظروف والإمكانات؟ إن الأفراد يُقاسون بالمنجزات لا بالأعمار؛ فاترك آثارًا قبل رحيلك واملأ وقتك بطاعة الله، قال عز وجل:"إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ"ـ في كتاب عند الله لا يضل ربي ولا ينسى ـ نكتب ما قدموا من الأعمال وآثارهم على الأرض وأقدامهم تسير إلى تلك الأعمال. والأرض ستشهد بما عُمل عليها من خير أو شر"يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا"
فلينظر العبد في أي شيء سيعمل، فمن الناس من يُفتح عليه في ألوان الطاعات وصنوف العبادات وأنواع الاجتهادات وطرق المسابقات إلى الخيرات، فهو بالقرآن الكريم والعناية به وتلاوته قيامًا وقعودًا وعلى جنبه والصلاة به وحفظه، ومنهم من يفتح الله عليه في تعليمه وإقرائه لأنه ضبطه وأتقنه وهذه هي الحكمة العظيمة والفرصة الكبرى رجل يقرأ القرآن ويعلمه آناء الليل وأطراف النهار.
ومنهم من يفتح الله عليه في أنواع العلم وفروعه ومجالاته من التوحيد والحديث والفقه والتفسير ومنهم من يُفتح عليه في علوم أخرى كاللغة والتاريخ والسير والعلوم. ومنهم من يحسن التدريس ومنهم من يحسن الوعظ ومنهم من يحسن التأليف والجمع. ومن عباد الله من يجعل اللهُ لذته بالصلاة وقرة عينه فيها ليلًا ونهارًا. وأخر يُفتح عليه في الصوم فهو يكثر من المستحبات بعد الواجبات.
وأناس خصهم الله بمزيد من العناية بالصلة فهو يتفقد أقاربه ويزور أرحامه يسأل عنهم ويبرهم ويصلهم ويحسن إليهم من غير انتظار مكافأة أو لوم. ومنهم من يفتح له في مساعدة المحتاجين وإغاثة الملهوفين والسعي على الأرملة والمسكين والغريب والفقير والأسير.
ومنهم من يحسن أن يأخذ من الأغنياء لإعطاء الفقراء ويشتغل في تفريج كربات العباد وسدّ الديون وكفالة الأيتام ورعايتهم ومواستهم وتعليمهم. ويفتح الله على أقوام بإقامة المشروعات البنائية المختلفة من المساجد والأوقاف ودور الخير ونحو ذلك، ومنهم من يفتح الله عليه بالاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في سبيل لذلك. ومنهم من يفتح عليه في باب الشفاعة والواسطة الحسنة والإصلاح بين الناس فيفك أسيرًا ويحقن دمًا ويُحق حقًا ويمنع باطلا ويحجز ظلمًا ويصلح بين المتخاصمين، ويعالج هذه المشكلات الزوجية بما # ويرد الزوج سالمًا إلى زوجته.
ومنهم من يُفتح عليه بمراعاة أعمال القلوب والجوارح فهو لا يزال يفتش عن عيوب نفسه ويصلح حاله يتأمل ويحاسب ويتدبر ويعالج. ومنهم من يكون له في إكرام الضيف وعيادة المريض ونصرة المظلوم وإنظار المعسر وإرشاد الضال وسائر طرق العمل حتى إن لنا في البهائم لأجرًا حتى من زرع زرعًا أو غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو طير أو دابة كان له به أجر.
وهكذا أبواب الطاعات وفروض الكفايات وأنواع الواجبات والنوافل، وإذا كان ضاربًا بسهم في كل واحد منها فهنيئًا له فإن هنالك أناس يُدعون من كل أبواب الجنة