الله ـ: لو رفِقت بابن عباس لاستخرجت منه علمًا كثيرًا لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علمًا جمًا. أي لو صبر على الشيخ لاستخرج منه شيئًا كثيرًا. فأما أن يأتي أول ما يأتي فيجابه بشيء من شدة أو تضيق أخلاق الشيخ عن استيعاب أخلاق هؤلاء الحاضرين فربما انصرف قبل أن يسأل الكلُ أو أن يفهمهم بالأسلوب الذي يتمنونه، فمن أصابه الغضب من أول مرة فذهب لم يحصّل شيئًا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم عليه وسلم:"ليس منا من لم يوقر كبيرنا"قال بعض العلماء: كبير القدر وكبير السن أيضًا.
ولذلك قال أهل العلم: على المستفتي أن يوقر المفتي في الخطاب فلا يناديه باسمه مجردًا ويقرن كلامه بالدعاء له أو يقول: ما قولكم حفظكم الله أو رحمكم الله ولا يشير بيده في وجهه، ولا يقول إذا أجابه الشيخ: نعم هكذا كان رأي في هذه المسألة أو يقول: فلان أفتى بخلاف رأيك، فإن هذا ضرب من التعنت والإضجار وسوء الأدب.
وكذلك قال إسماعيل بن بنت السدي في قصته مع مالك: كنت في مجلس مالك فسئل عن فريضة فأجاب بقول زيد رضي الله عنه، فقلت له: ما قال فيها علي؟ فأومأ إلى الحَجَبْة فلما همّوا بي عدوت وعجزتهم، قالوا ما نصنع بكتبه ومحبرته قال: اطلبوه برفق فجاءوا إليّ فجئت معهم، فقال مالك: من أين أنت؟ قلت: من الكوفة، قال فأين خلّفت الأدب؟ ـ أين تركته وجئت إلى مجلسي ـ فقلت: إنما ذاكرتك لأستفيد، قال: إن عليًا وعبد الله لا يُنكر فضلهما، وأهل بلدي لا يُنكر فضلهما، وأهل بلدنا على قول زيد بن ثابت وإذا كنت في قوم فلا تبدأهم بما لا يعرفون فيبدأك منهم ما تكره.
وهكذا ينبغي أن يكون السؤال بلا تنطع وأن يعرض عما يضيع الوقت بلا فائدة"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"وفي البخاري أن رجلا عراقيًا قال لعائشة: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك؟ ! ما يضرك إن كان من النوع الفلاني أو النوع الفلاني، أنت ستموت.
ولا يستعجلن، فقد سأل رجل ابن عمر عن إطالة القراءة في سنة الفجر فأحب ابن عمر أن يفيده فأتاه بحديث فيه من قبل صلاة الفجر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة .. فقاطعه السائل فقال: لست عن هذا أسألك! فقال له ابن عمر: إنك لضخم! ألا تدعني أستقرأ لك الحديث. أشار إلى غباوته وقلة أدبه بهذه الكلمة"إنك لضخم".
وأيضًا فإن تعلم الأدب مع العلم أما المعلومات فقط دون أدب فإنها قد تكون وبالا على صاحبها، كان يحضر مجلس الإمام أحمد رحمه الله خمسة آلاف وكان خمسمائة يكتبون والباقي يستمدون من خلقه وخلقه وأدبه. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم خشية الله تعالى. ولذلك كانوا بالإضافة إلى الخشية والإخلاص يستحضرون الأدب، كان الشافعي إذا قرأ بين يدي مالك يتصفح الورقة صفحًا رقيقًا كي لا يُسمع وقعه. ويتردد مخافة أن يملّ الأستاذ من طول ما يقرأ. وقال الربيع صاحب الشافعي ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له. وعوتب الشافعي في زيارته أحمد وهو تلميذ من تلاميذه
فقالوا يزورك أحمد وتزوره قلت: الفضائل لا تفارق منزلا
إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له
اللهم إن نسألك أن تفقهنا في ديننا وأن تؤدبنا بأدب شريعتك يا رب العالمين.
اللهم إن نسألك الإخلاص في القول والعمل
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا يا عليم
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين أشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله السراج المنير البشير والنذير وصاحب لواء الحمد والحاشرُ الذي يُحشر الناس على عقبه والمقفى وصاحب الشفاعة والمقام المحمود صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين كما صلى الله عليه بما علمنا وأرشدنا، صلى الله عليه وعلى أصحابه الغر الميامين وخلفائه الطيبين الطاهرين
عباد الله، يعمدُ كثير من الناس إلى السفر في هذه الإجازات، فهلا نظروا في أي شيء يكون السفر؟!
هل هو سفر طاعة أو سفر معصية؟ وقد يكون سفرًا مباحًا أو مستحبًا أو مكروهًا. فليرتقي الإنسان بسفره فربما ينوي بالسفر التمشية والترويح والتسلية فإذا نوى به إسعاد الأولاد وإدخال السرور على الأهل كان السفر سفرًا مستحبًا وكان له بذلك أجر يفوق تلك النية الوحيدة اليتيمة التسلية وتغيير الجو ونحو ذلك.