فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 6

ومستعجل الشيء قبل الأوان يصيب الخسارة ويجني النصب

لابد من الجد وأن يشجع بعضنا بعضا وأن يستشير بعضنا بعض وألا نبالغ في الأهداف فنعجز فنصاب بالإحباط. أن يكون هناك تشجيع وترك للمزاجية وثقة بالله تعالى وتسابق في الخيرات.

عباد الله! إن من أولى ما شغلت به الإجازات طلب العلم. لأن المصائب التي ابتليت بها الأمة كثير منها بسبب الجهل وإن الذين لا يؤسسون أنفسهم على قاعدة من الكتاب والسنة يضيعون ولا يدرون ماذا يفعلون، ومن أعظم من تُعبدَ الله به تعلم دينه فلماذا أنزل القرآن؟ ولماذا أوحى لنبيه السنة صلى الله عليه وسلم؟ أليس لأجل الفهم والعلم؟ أليس لأجل الفقه والتدبر والتفكر؟ أليس في ذلك آيات لأولي الألباب ولقوم يتفكرون ولقوم يتدبرون ولقوم يعقلون؟ ولماذا ختمت الآيات بهذه الخواتيم"يعقلون""يتفكرون""أولي الألباب"أليس ليكون لنا نصيب من هذا في دراستنا لكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

وإن من أعظم ما فتح الله به المسلمين في هذه البلد] المملكة العربية السعودية [قيام الدورات العلمية الشرعية التي يأتي إليها أهل العلم للتدريس فيها متون وكتب وشروح ومناقشات، وهكذا تفهم أمورًا كثيرًا مرتبة مسلسلة وقواعد تبنى على أمور مضت وهكذا تطلب العلم. إذا كان عون من الله لك فهنيئًا في هذا الطلب وهذه العبادة العظيمة.

كان السلف رحمهم الله يبكرون للعلم وكان الصحابة يغشون مجالس النبي صباح مساء يذهبون إليه صباحًا ثم يعودن ثم يذهبون إليه مساءً. فأما من انشغل بجهاد أو طلب رزق فإنه يسأل بعد ذلك عما فاته كما سأل عمر الأنصارية وسأل الأنصاري عمرًا؛ كانا يتناوبان على المزرعة وعلى حضور الحلق وعلى العلم. قال أبو الحسن الكرخي رحمه الله:"كنت أحضر مجلس أبي حازم اليوم الجمعة بالغداة من غير أن يكون درس لئلا أنقض عادتي بالحضور"لأجل أن يبقى التعود على ما هو عليه.

قال عليه الصلاة والسلام:"يأيها الناس إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله بها خيرًا يفقه في الدين وإنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ". يقول جرير:"جلست إلى الحسن سبع سنين لم أخرم يومًا واحدًا أصوم وأذهب إليه". وكان قتادة بن دعامة السلوسي يحضر حلقة أنس صباحَ مساءَ، وأنس رضي الله عنه يحدث من يأتيه بالمساء بحديث أهل الصباح فيعيد لهم الدرس، وذات مرة تأخر أنس عن أهل المساء فحدثهم قتادة بكل حديث الصباح وأنس يسمع فلما رأى حفظه وتعجب من فطنته لكزه بيده وقال: قم يا أكمه فقد أخذت علمي. وقال له سعيد: نزفتني يا أعمى. وكان قتادة رحمه الله ضريرًَا، قال: نزفتني (أي) استخرجت ما بي من علم.

وهذه الحلق تحتاج إلى آداب ليستفاد منها. إنها تحتاج إلى صبر وتبكير، إنها تحتاج إلى مواظبة وهكذا المواظب يُفتح عليه أما الذي يُساق إلى الحلق والدروس كأنما يُساق إلى الموت وهو ينظر فهو كاره قد أصابه الملل فماذا عساه أن يحصّل ‍‍! فلابد أن تكون النفس منشرحة لهذا العمل، مذاكرة قبل الدرس وحضور ذهن أثناء الدرس ومراجعة بعد الدرس. واستدراك ما فات من الدرس من شيط أو ملخص طالب ونحنو ذلك لابد من التقييد

العلم صيد والكتابة قيدُه قيّد قيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أن تصيد غزالة َ وتتركها بين الخلائق طالقة

أحسن الإنصات وقاوم الشرود وبكِّر واسأل عما يُشكل. كان أحمد بن سنان لا يُتحدث في مجلسه ولا يُبرَى قلمُ ولا يقوم أحد كأن على رؤوسهم الطير.

وأيضًا فإن الأدب في الحضور أن يصون المجلس ولا يرفع صوته ولا يصيح ولا يضحك ولا يكثر الكلام لغير حاجة ولا يلتفت يمينًا ولا شمالا ولا يتكلم بسوء أو شر. وأيضًا فإن التعليق على حواشي الكتب وعلى أطرافها مما يرسخ المعلومات التي سمعتها من الشيخ.

وكان النووي رحمه الله يحضر في اليوم اثني عشر درسًا وهذا من عجائب الدهر ونحن لا نطالب هؤلاء الشباب لا نطالبهم بربع ذلك، لعلهم يجتهدون ليزيدوا.

وكانوا يمكثون على الأبواب حتى يفهموها، وقال أحمد رحمه الله عن أيام الطلب:"مكثت في كتاب الحيض تسع سنين حتى فهمته". وقال بعض الطلاب: راجعت الشيخ فلم تتضح لي المسألة فرجعت إلى منزلي وبحثت ولا زلت أبحث والخادم قائم بالمصباح على رأسي أو بالشمعة حتى مر ثلاث أرباع الليل فلما طلع الفجر زال الإشكال واكتفيت بفهم هذه المسألة فنمت هانئًا.

لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر، الذي يأنف عن الحضور والانتظار والسؤال، وقد يجابه بما يؤذيه فإذا تضايق من الوهلة الأولى فذهب فاته العلمُ. ولذلك قال بعض السلف ـ وهو أبو سلمة رحمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت