الصفحة 101 من 230

الأنظمة الاجتماعية هناك على غير قاعدتها الطبيعية الوحيدة. فقامت معلقة في الهواء. أو قامت عرجاء!

ولم يكن هذا أمرا عاديا في الحياة البشرية , ولا حادثا صغيرا في التاريخ البشري. . إنما كان كارثة: كارثة ضخمة , تنبع منها الشقوة والحيرة والانحلال والشذوذ والبلاء الذي تتخبط فيه الحضارة المادية اليوم. سواء في البلاد التي لا تزال تعتنق المسيحية - وهي خالية من النظام الاجتماعي لخلوها من التشريع - أو التي نفضت عنها المسيحية وهي في الحقيقة لم تبعد كثيرا عن الذين يدعون أنهم مسيحيون. . فالمسيحية كما جاء بها السيد المسيح , وكما هي طبيعة كل دين يستحق كلمة دين , هي الشريعة المنظمة للحياة , المنبثقة من التصور الاعتقادي في الله , ومن القيم الأخلاقية المستندة إلى هذا التصور. . وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا تكون مسيحية. ولا يكون دين على الإطلاق! وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا يقوم نظام اجتماعي للحياة البشرية يلبي حاجات النفس البشرية , ويلبي واقع الحياة البشرية , ويرفع النفس البشرية والحياة البشرية كلها إلى الله.

وهذه الحقيقة هي أحد المفاهيم التي يتضمنها قول المسيح عليه السلام:

(ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) . . إلخ. .

وهو يستند في تبليغ هذه الحقيقة على الحقيقة الكبرى الأولى: حقيقة التوحيد الذي لا شبهة فيه:

(وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه. هذا صراط مستقيم) . .

فهو يعلن حقيقة التصور الاعتقادي التي قام عليها دين الله كله: المعجزات التي جاءهم بها لم يجيء بها من عند نفسه. فما له قدرة عليها وهو بشر. إنما جاءهم بها من عند الله. ودعوته تقوم ابتداء على تقوى الله وطاعة رسوله. . ثم يؤكد ربوبية الله له ولهم على السواء - فما هو برب وإنما هو عبد - وأن يتوجهوا بالعبادة إلى الرب , فلا عبودية إلا لله. . ويختم قوله بالحقيقة الشاملة. . فتوحيد الرب وعبادته , وطاعة الرسول والنظام الذي جاء به: (هذا صراط مستقيم) . . وما عداه عوج وانحراف. وما هو قطعا بالدين. .)

يلتفت الخطاب إلى عيسى بن مريم - على الملأ ممن ألهوه وعبدوه وصاغوا حوله وحول أمه - مريم - التهاويل. . يلتفت إليه يذكره نعمة الله عليه وعلى والدته ; ويستعرض المعجزات التي آتاها الله إياه ليصدق الناس برسالته , فكذبه من كذبه منهم أشد التكذيب وأقبحه ; وفتن به وبالآيات التي جاءت معه من فتن ; وألهوه مع الله من أجل هذه الآيات , وهي كلها من صنع الله الذي خلقه وأرسله وأيده بالمعجزات:

إذ قال الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك. إذ أيدتك بروح القدس , تكلم الناس في المهد وكهلا. وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل. وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني , فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني. وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني. وإذ تخرج الموتى بإذني. وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم: إن هذا إلا سحر مبين. وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي , قالوا: آمنا واشهد بأننا مسلمون. .

إنها المواجهة بما كان من نعم الله على عيسى بن مريم وأمه. . من تأييده بروح القدس في مهده , وهو يكلم الناس في غير موعد الكلام ; يبرى ء أمه من الشبهة التي أثارتها ولادته على غير مثال ; ثم وهو يكلمهم في الكهولة يدعوهم إلى الله. . وروح القدس جبريل - عليه السلام - يؤيده هنا وهناك. . ومن تعليمه الكتاب والحكمة ; وقد جاء إلى هذه الأرض لا يعلم شيئا , فعلمه الكتابة وعلمه كيف يحسن تصريف الأمور , كما علمه التوراة التي جاء فوجدها في بني إسرائيل , والإنجيل الذي آتاه إياه مصدقا لما بين يديه من التوراة. ثم من إيتائه خارق المعجزات التي لا يقدر عليها بشر إلا بإذن الله. فإذا هو يصور من الطين كهيئة الطير بإذن الله ; فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله - لا ندري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت