الصفحة 161 من 230

أجل أيّها المسلم: قُدْ ركبَ العالم، وكنْ أميرَ القافلة، وخُذْ من الزّادِ ما يكفيك، فالسّفرُ طويلٌ والعقبةُ كؤود و (( إن خير الزاد التقوى ) ).

واعلمْ أنّكَ ملاحَقٌ على كلِّ المحاور، ومُحاربٌ في كلِّ حين، ومُحاصرٌ وأنتَ على أريكتك، ومُتَّهمٌ وأنتَ في عِقرِ دارك، لأنّ عندَكَ شيئًا لا يعرفُهُ الآخرون، وفيكَ سرًّا يمتدُّ إلى مئاتِ السّنين والحقائق.

ولأنّكَ مَصوغٌ من الطّينِ المشويِّ على نارِ (( ألست بربكم ) )، ولأنّكَ مصنوعٌ على عينِ مولاك.

(( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ) ).

أيّها المسلم: كنْ كالبحر، السّكونُ سِمتُهُ وطابعهُ، ولكنَّ الموجَ يهدُرُ في حناياه، فإذا ما استباحَ شاطئَكَ غريبٌ آذنْتهُ أمواجُكَ بالحرب.

ولقد كان نبيُّكَ المصطفى هادئًا هدوءَ البحر، فإذا ما اشتدَّ العراكُ واحمرّتِ الحدق، لاذَ المسلمون بظهرهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم.

أيّها المسلم: (قُلْ آمنتُ باللهِ ثمَّ استقمْ) ، وأشغِلِ العالَم بحقيقتِكَ الطّاهرة، وأشعِلْ فيه شموسَكَ النّيرات، واجعلْ من نفسِكَ سفينةَ نوحٍ الّتي تأخذُ بيدِ هذا العالم الغريق إلى برِّ الرّحمة والنّجاة، حينَها تصيرُ مطاعًا في الأرض، ويُؤدّى إليكَ خَراجُ النّفوس:

مَنْ علا تكبيرُهُ مِن غيرِ تاجْ --- ألزمَ التّيجانَ تقديمَ الخَراجْ

أيّها المسلم: (لا إله: هي بدايةُ التّطهير، وإلا الله: هي بدايةُ التّعمير) ، فكنْ أنتَ رائدًا في عمران الطّهارة، ورسالةً في طهارةِ العمران، وأقِمْ صرحَ المجدِ على أركانِ الإيمان فإنّها الأركانُ الثّابتةُ الّتي لا تُنقض: (( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ) ). ولا تشيّدُ بروجَ عزّكَ على شفا جُرفٍ هارٍ، فإنَّ في هذا مذهبةً لعزّكَ ولك، لا تصنعِ الأشياءَ بقلبٍ بارد، فحرارةُ إيمانِكَ أجدرُ بالصّناعة، وأحرِقْ مَن حولَكَ بنارِ قلبِكَ المؤمن الطّاهر، فلطالما اكتويتَ أنتَ بها، فإنّما يزدادُ العودُ بالإحراقِ طيبًا، ولقد ينشرُ من طيبِهِ على ما جاورَه.

واعلمْ أنّهُ لا تتأتّى لك حرارةُ الإيمانِ إلا بإثباتِ ذاتِكَ في ميزانِ الحياة، لا بالرّكون إلى الضّعفِ والدّعة فليسَ هذا من شأنِ المؤمنِ الحقِّ الذي استخلفَهُ اللهُ في الأرض:

فحرارةُ الإيمانِ في القلبِ المَشوقِ إلى النّضالْ وَسراجُ ليلِ الفكرِ (لا معبودَ إلا ذو الجلالْ) فإذا ما انتشرَ صقيعُ العجزِ في أوصالِك، وثقُلتْ همّتُكَ عن النّهوضِ بما أوكِلَ إليك، وركنتَ إلى فراشِ راحتِك، فاطردْ هذا كلّهُ بهذا الدّعاء:

ياربِّ إنّا موقنونَ بعجزنا --- فأدِمْ علينا قُوّةَ الإيمانِ

وامنحْ قلوبَ المسلمينَ حرارةً --- كحرارةِ الآياتِ في القرآنِ

أيّها المسلم: ثقيلةٌ هي المهمّة التي أوكلتْ إليك، وعظيمةٌ تلك الأمانةُ التي أُلقيت على كاهلك، فكنْ أهلًا لها وأحيِ مواتَ القلوب، بوارداتِ همّتكَ المؤمنة الصّادقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت