الصفحة 162 من 230

خُذْ بأيدي الغرقى في لُجّةِ هذا العالم، واصعدْ بهم إلى سماواتِ الفكر والحياةِ الهانئة، وأشعلْ لهم من زيتِ قلبك المؤمن سراجَ الهداية الذي ينوّرُ لهم السُّبُل ويأخذُ بهم من الظّلمات سائرًا بهم في مسالكِ النّورانيّةِ الرّفيعة، وأعمِلْ إيمانَكَ في الأمورِ يُكتبْ لها النّجاح:

قُمْ فَشيّدْ عالمًا دونَ مثيلْ --- وخُضِ النّارَ وأقدِمْ كالخليلْ

واعلمْ أنّكَ مؤتمنٌ على كلِّ نفْسٍ في هذه الأرضِ أن تعطيَها حاجَتَها من الهداية والنّصيحة والمعاشرةِ الحسنة التي تدلّها من خلالها على الله سبحانه وتعالى وعلى الله قصدُ السّبيل:

لا تُضِعْ لمحةً من العمرِ هدرا --- وَارتفعْ عن كثافةِ الأرضِ قدرا

وَتَقَدّسْ بحملِ همِّ البرايا --- وَاسألِ اللهَ فوقَ صبركَ صبرا

أيّها المسلم: لا يجفّنَّ ماءُ الحبِّ في قلبك فتهلك، فإنّهُ دمُكَ الذي يجري في أوصالك، وهو معدِنُ كلِّ جودْ، وهو في كرمةِ الحضرةِ الإلهيّةِ عنقودْ، وأصلُ الحلالِ الطّيّبْ، ونائلُ الخيرِ الوافرِ الصِّيبْ، ومادّةُ الجمالْ، وأرومةُ الجلالْ، ونقطةُ السّرِّ في التّكوينْ، وتسنيمٌ من سِدرةِ ربِّ العالمينْ.

يخطرُ على الأرواحِ فَتُسرُّ بذكرِه، وعلى القلوبِ فتأتمرُ بأمرهِ، فلا تسفكْهُ من أوصالكَ، ولا تخرجْهُ من عروقك، فإنّه لقلبكَ غذاء، ولروحكَ حياة، فإذا رغبتَ عنهُ استبدلَ بكَ اللهُ قومًا يحبّهم ويحبّونه.

إنّه جوازُ سفركَ إليهِ سبحانه، والشّهادةُ الأولى على أنّكَ من أهله، أقصدُ الحبَّ الذي يجعلُ المرَّ حلوًا والترابَ تبرًا كما وصفُه بذلك مولانا جلال الدّين الرّومي رحمه الله.

واعلمْ أنّ حبَّ الله هو راسمُ خطاكَ على طريقِ الرّضا والقبول وإنّه العودةُ بالرّوح إلى أوّلِ العهد:

نقِّلْ فؤادَكَ حيثُ شِئتَ من الهوى --- ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأوّل

كم منزلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفتى --- وحنينُهُ أبدًا لأوّلِ منزلِ

فإذا سألتني: ما هو الحبُّ، قلتُ لك: (هو رحلةُ الذّاتْ، من المحوِ إلى الإثباتْ) ، فإذا قلتَ لي: ماذا يعني من المحو إلى الإثبات، قلتُ لك: أيْ أنْ تمحوَ ذاتَكَ من أجلِ إثباتها عندَ من تحبّ.

أيّها المسلم: إنّ الفراشةَ تصطلي نارَ الشّموع، لكي تحتضنَ شعاعاتِ النور البارزةَ منها، فكنْ تلميذَها الفذّ، وأحرقْ ذاتَكَ في نارِ حبِّه عزَّ وجلّ حتّى تبلغَ حضرتَه، فلنْ تصلَ بغيرِ احتراق، واعلمْ بأنّكَ لن تدخلَ حضرةَ أُنسِه، حتّى تذوبَ في نارِ قُدسِه .. حينَها أبشِرْ بالقَبول:

ما لي سوى روحي وباذلُ نفسِهِ --- في حبِّ من يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فلئن رضيتَ بها فقد أسعفتني --- يا خيبةَ المسعى إذا لم تُسعفِ

فالوجدُ باقٍ والوصالُ مماطلي --- والصّبرُ فان واللّقاءُ مسوّفي

أهفو لأنفاسِ النّسيمِ تعلّةً --- ولوجهِ من نقلتْ شذاهُ تشوّفي

لو أنّ روحي في يدي ووهبتها --- لمبشّري بقدومكم لم أُنصفِ

ولقد أقولُ لمن تحرّشَ بالهوى --- عرّضتَ نفسكَ للبلى فاستهدفِ

أنت القتيلُ بأيِّ من أحببتَهُ --- فاخترْ لنفسك في الهوى من تصطفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت