الصفحة 163 من 230

كُنْ مُسْلِمًا (3)

أيّها المسلم: إذا ما أشرقتْ شمسُ الطبيعة من أفقها، غطّتْ بنورها أرضَ الوجود، حينَها لا مكانة لظلمةٍ ولا موطن لعتمة.

وكذلك عندما تسطعُ شمسُ الحقيقةِ على القلب، تصيرُ كلُّ ذرّةٍ فيه هي محلًا لآيةٍ أو مستقرًا لعناية.

وإذا أراد الله بقلبٍ خيرًا صرفَ عنهُ شموسَ الأغيار، وأقصى عنهُ طوارقَ الوجودْ، ثمّ أضاءه بلطائف الأنوار، وأقامه مقامَ الشّهودْ.

فهنيئًا لقلبٍ بسطَ عليه اللهُ من نوره فأضاءتْ حناياه، ومسحَ عليه بكفِّ عطفه فاطمأنّت خلاياه، وقذفَ فيه سبحانه سرًّا من أسراره فانكشفتْ خفاياهُ عن أحلى من صورة البدر.

أجلْ، إنّه الحبّ: السّرُّ الذي يقذفُ به ربّي على القلبِ القنوطِ اليؤوس، فإذا هو بعدَ ذلك روضةُ الأمل ودوحةُ الرّضا.

وإنّهُ السّرُّ الذي تتلوّنُ به الأرضُ ثوبًا أزهريًّا وتفوحُ بهِ عطرًا سرمديًّا، ولمْ تكنْ قبلَ ذلك غير قفرةٍ لا تحيا فيها بسمةٌ ولا تبسمُ فيها حياة، وهو السّرُّ الذي يفيضُ له الرّملُ ماءً في هاجرةِ النّهار، ولمْ يكنْ قبلَ ذلك غيرَ سرابٍ بِقيعةٍ يحسبُهُ الظّمآنُ ماءً، حتّى إذا جاءهُ لمْ يجدْهُ شيئًا:

الموتُ لا يمحو رجالَ اللهِ من هذا الوجودْ الحبُّ في دمهم تلوّنَ بالثّباتِ وبالخلودْ مهما يكن جريانُ هذا العصرِ جبّارًا عنيفا فالحبُّ يجرفُهُ ولكنْ سيلُهُ يبدو لطيفا الأمسُ والغدُ ليس وجهتنا التي نسعى إليها الحبُّ أزمنةٌ بلا أسماءَ نطلقُهُ عليها ما الحبُّ؟ ما هو؟ إنّه وثباتُ أوقاتِ الصّفا في نفحةِ الوحي الأمين على فؤادِ المصطفى ما الحبُّ؟ سكرةُ وردةٍ خلعَ الجمالُ عِذارَها لعبَ النّسيمُ بِها عليهِ فقطّعتْ أزرارَها الحبُّ في ساحِ الجيوشِ هو المقدّمُ وَالنّبيهْ والحبُّ في الحَرمِ الشّريفِ هو المشرّعُ والفقيهْ اِسألْ بهِ متسكّعًا خلفَ الهوادجِ والقوافلْ بين الألوفِ من المنازلِ والألوفِ من المراحلْ الحبُّ ليسَ مغنّيًا، الحبُّ إبداعُ الأغاني أوتارُهُ نورُ الحياةِ وَقَوْسُهُ نارُ المعاني أجَلْ، إنّهُ الطّلُّ الرّخيُّ والقطرُ الصّفيُّ الذي يجلو عن فؤادكَ غبارَ الهمِّ الشَّرود، ليستقبلَ بعدَ ذلك نَدِيَّ الحياةِ الهانئةِ وعَبَقَ الإِيمانِ الأذفَر.

حبُّهُ وحدَه سبحانه، هو الذي يوقِظُ الفجرَ من رقدتِه، ويكشفُ سُتورَ الظّلامِ بإقبالِ الأنوار، ويقذفُ نورَ الصّبحِ من بينِ ثنايا اللّيلِ وطواياه، وهو الذي يرسلُ إشراقةَ الضّحى من قلبِ الموت، وهو الذي يخرجُ زهورَ الحياةِ من أكمامِ العدم، تهزُجُ له الأطيارُ في أسحارِها، وتُصلّي الأوراقُ في أشجارِها، وتسبّحُ الطّيّباتُ في أزهارِها، وترتّلُ الأمواهُ قرآنُ الجمالِ والجلالِ في بحارها:

لولا الغرامُ لما ناحتْ مطوّقةٌ --- على قضيبٍ ولا طيرٌ على بانِ

حبُّه وحدَه: هو الذي يصنعُ دمَ الحياةِ من حديدِ السّيوف، ويُطلقُ النّدى من أَتونِ الحمم، ويخلقُ في كلِّ مسلمٍ قلبَ محمّدٍ عليهِ الصّلاةُ والسّلام.

إنّهُ بلسمُ الجراحِ النّازفة، وترياقُ القلوبِ الرّاعفة ... إنّهُ حبُّ الله:

يا ربّ هام العاشقون بعشقهم --- وتمايلوا بتمايلِ النّغماتِ

وَتخاطَرَتْ أرواحُهم في ليلها --- وتسامرتْ بأطايبِ اللّمحاتِ

وبقيتُ وحدي لا رفيقَ لوحشتي --- إلا دموعَ العينِ والزّفراتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت