الصفحة 164 من 230

فأتيتُ أعتابَ الجلالةِ باسطًا --- كفَّ الضّراعةِ ساكنَ النّظراتِ

وشربتُ من خمرِ العنايةِ شَربةً --- قدسيّةً عُلويّةَ الكاساتِ

أُسقطتُ في محرابِ حبِّكَ هاتفًا --- يا سيّدي أحرِقْ بذاتِكَ ذاتي

(الحبُّ: هذه الكلمةُ التي ما تكادُ تُذكر، حتّى تُضوِّأَ جوانبَ النّفسِ البشريّة، وتهزّها هزًّا لتستريحَ على مهادٍ من العواطفِ النّبيلة، ترشُّها كلمةُ الحبِّ بالعبير، وتنثرُ حولها الياسمين، لا يرضى المحبُّ إلا أن يغتسل بماءِ السّماء ... بالماءِ الطّهور ... تسكبُهُ عليه يدٌ حانية، ليتسامى فوقَ الدّيم، يرفُّ كالحلمِ الوضيء، يتوضّأُ بالمسك، ويضمُّ من يحبُّ داخلَ دائرةِ العطر ويحومُ به عبرَ سحابةٍ ورديّة لا أحلى ولا أجمل) .

إنّهُ ندى الإيمان المتساقطُ من المحلِّ الرّفيع على القلبِ الفقير، وإنّه النّورُ النّازلُ من قبّةِ الكأسِ الأوفى إلى القلبِ الطّهور، ولنْ يطهرَ قلبٌ ويصفو إلا بذينِكَ الوافدَيْن.

إنه بردُ اليقين الذي يثلجُ حنايا النّفس ويزكّيها، ويُنوّرُ أركانَ القلبِ ويطيّبُه، فإذا ما تحسّستهُ الجوارحُ والأعضاء واستباحتْ واراداتُ هداهُ أركانَ الجسد، هَتَفَتْ كلُّ خليّةٍ فيه (لا إله إلا الله) ، وكلُّ حجيرةٍ فيه (محمدٌ رسول الله) ، واستقرّتْ خلجاتُ النّفس على وارداتِ صدى (ألا بذكرِ اللهِ تطمئنُّ القلوب) :

ما في الصِّحاب أخو وَجدٍ تُطارحُهُ --- إلا محبٌّ له في الرّكبِ محبوبُ

كأنّما يوسفٌ في كلِّ راحلةٍ --- له وفي كلِّ بيتٍ منه يعقوبُ

نحنُ قومٌ والحمدُ لله سرًّا --- بلْ وجهرًا عن رؤيةِ الغيرِ تُبنا

للهِ ... ما للحبِّ في قلوبِ أصحابِه، تراهم به سُكارى، وما همْ بسكارى، ولكنّ بعضَ الحبِّ عيد، فإذا ما سَفَرَ الصُّبحُ، هاجتْ منهم القلوبْ، أو تهادى النّسيمُ بين الأزاهير ... ذكروا المحبوبْ، غابوا عن سواه، فما شهدوا إلا إيّاه، فاستراحوا إلى عذاباتِ المجاهدة، وكذلك المحبّ (يهربُ إلى العزلةِ والخلوةِ بمحبوبه والأنسِ بذكره، كهربِ الحوتِ إلى الماءِ والطّفلِ إلى أمّه) .

فرّغوا قلوبهم من الأغيار، وأقاموها مقامَ المشاهدةِ والمراقبة، وجعلوا منها حرمًا حرامًا على من سواه سبحانه، فتلمّسوا في العذابِ لأجلِهِ النّعيمَ المقيم، وبادروهُ بالرّضا والتّسليم، وطربتْ منهم القلوبُ فهو مقصودُهم، وطابتِ الأرواحُ بقربِه فهو منشودُهم، وعزفوا عن ليلى ولُبنى وأَمُّوا بالقربِ بابَه، واحتملوا عذاباتِهم وأشواقَهم قاصدينَ أعتابَه، إنّهم قومٌ هاجروا من اللهِ وإليه، خُلقوا لأجلِهِ فكانوا لِما خُلقوا له، (الطّيورُ تطيرُ إلى الجهات، وهم يطيرونَ عن الجهات) .

فَنِبَتْ سرائرُهم في الحقّ، وغابتْ ظواهرُهم عن الخلق، أولئك هم هديّةُ السّماءِ للأرض، وسفراءُ الأرضِ إلى السّماءْ، لهم عندَ ربّهم بيوتٌ من ذهبٍ، لا تعب فيها ولا نَصَب، ولهم وحدهم منازلُ السّعداء.

ولقد كان المصطفى صلّى اللهُ عليه وسلّم يقول: «اللّهم اجعلْ حبّكَ أحبَّ إليَّ من أهلي ونفسي وولدي ومن الماءِ البارد» .

العارفونَ بأنّكَ المطلوبُ همْ --- في نعمةٍ وعنايةٍ يا ربّ همْ

وَفَّوْا بنذرِ القربِ فاشتاقتْ إلى --- لُقياهمُ عدنٌ وشاقتْ حورُهمْ

طلبوكَ فارتاحتْ سرائرُهم إلى --- تعبِ الطِّلابِ وإنِّ هذا حالُهمْ

خلصوا إليكَ بغيرِ مالٍ أو جَنى --- عَرَضٍ وحينَ يَروْكَ ذلك مالُهمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت