فهرس الكتاب
يغنيكَ عن وصفِ الجزاءِ قليلُهُ --- إذْ قالَ جلَّ عُلاهُ (عرّفها لهمْ)
فاعلم أيّها المسلم: أنّ (المعرفة بساطٌ لا يطأُ عليه إلا مقرّب، والمحبّةُ نشيدٌ لا يطربُ عليهِ إلا مغرم) ، فاستجمعْ أقطارَ حسّكَ ونفسك وأوْكلْها إلى الحبيبِ الأوّل، فمنْ عرفَ اللهَ أحبّهُ الله، وفي هذا المفازُ والوصول:
هنيئًا لعبدٍ طيّبَ الحبُّ قلبَهُ --- وقامَ له من سرِّ ذلك حالُ
هم القومُ أدناهم إليهِ حبيبُهم --- لمعناهُ فيهِ رونقٌ وظلالُ
إذا جئتَ للوادي رأيتَ خيامَهم --- ولاحَ لأسلوبِ الجمالِ مثالُ
يئنّونَ ليلًا من صميمِ قلوبِهم --- وللشّوقِ في طيِّ القلوبِ نصالُ
تراهم على الأعتابِ باللّهفِ خضّعًا --- تُحطُّ لهم حولَ الرِّحابِ رِحالُ
خِفافٌ إذا يدعوهمُ الحبُّ للهوى --- ولكن لأقوالِ السِّوى فَثِقالُ
فهم ضمنَ أبراجِ النّجومِ نجومُها --- وهم للجبالِ الرّاسياتِ جبالُ
أيّها المسلم:"قلْ هو اللهُ أحد"، (فإنّ في ذلك عقيدةً للضّمير، وتفسيرًا للوجود، ومنهجًا للحياة) .
وكن مع الله، فإنّ معيّتَهُ سبحانه سياجٌ للنفسِ من الزّلل، ومنعةٌ للقلبِ أنْ يتحوّل، وحصنٌ للحقيقة، وإقامةٌ للطّريقة، وإذا كنتَ معه فقد أويتَ إلى ركنٍ شديد، لا يضرّكَ بعدها من خالفك، وانظرْ إلى النبيِّ الكليمِ موسى عليهِ السّلام، كيفَ فازَ بالمرادِ ونالَ المنى، عندما قال سبحانه في حقّه (إنّك بأعيننا) ، فأقِمْ قلبَكَ في حمى (لا تحزنْ إنَّ الله معنا) :
أَيُدركني ضيمٌ وأنتَ ذخيرتي --- وأُظلمُ في الدّنيا وأنتَ نصيري
وَلا حاميَ المملوكِ إلا أميرُهُ --- وهاأنا مملوكٌ وأنتَ أميري
واعلمْ أنّهُ إنّما جُبلتِ القلوبُ على حبِّ من أحسنَ إليها، وموالاةِ من أنعمَ عليها، فلا تأوِ إلى غيرهِ سبحانه، ولا تركنْ إلى سواه، ومن ذا أكرمُ من اللهِ وأعظم، وهو المحسنُ الوهّاب البرّ، الذي أعطى وتفضّل، ووهبَ فأجزل، وقرّبَ ووَصَل، واعلمْ أنّك:
(ما أحببتَ شيئًا إلا كنتَ له عبدًا، وهو لا يحبُّ أنْ تكونَ لغيرهِ عبدًا) .
فوجِّهْ إليهِ الخواطرْ، وصَفِّ له السّرائرْ، وأَقبِلْ عليه بالودادْ، وناجِهِ من عمقِ الفؤاد:
دائمًا في القلب حاضرْ
يا مُرجّى كلِّ ذاكرْ
ساهرٌ في طرفي وقلبي
فيك يا مولاي ساهرْ
دائمًا في بابك العالي مقيمٌ ومسافرْ
صارَ سرّي مثلَ جهري
أنتَ في الحالين ظاهرْ
فارحمِ القلبَ المعنّى
يا عليمًا بالسّرائرْ