فهرس الكتاب
أيّها المسلم: كنْ عبَدَهُ الأمين، يستعملْكَ في أشرفِ الأمور، ولا تعارضْ أمرَهُ فيقيلك، فالعبدُ الآبِقُ مطرودٌ من بيتِ الرّحمة، وكن معه كأنكَ تراه، فتلك أشرفُ صحبةٍ، وذلك الفوزُ العظيم، واعلمْ بأنّهُ (لا نهاية لمذامِّك إذا أرجعكَ إليك، ولا تفرغُ مدائحُك إذا أظهر جودَهُ عليك) ، فلا تغفلْ عن ربّكَ طرفةَ عينٍ ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثر حتى لا يكلكَ إلى نفسكَ، ففي ذلك الخسرانُ، فإذا أظهر جودَه عليك فذلك عينُ الرّضا والرّضوان، حينها تصيرُ كلُّ ذرّةٍ فيك هي محلًا لآيةٍ ومستقرًّا لعناية:
وإذا العبدُ لاذَ بالله نجّاهُ --- فولّى الشّيطانُ عنه وأبلسْ
بين مدٍّ وبين جزرٍ يظلُّ الـ --- حرُّ من عفوِ ربّهِ ليسَ ييأسْ
بعتُ نفسي لبارئي مستبينًا --- واعيًا راضيًا ولا أتملّسْ
واشتراني له ومن باع غيرَ --- اللهِ مهما استوفى يُغرُّ ويبخسْ
أيّها المسلم: إذا شابتْ دمكَ الأهواء ولوّنتهُ نزعاتُ التراب، فأهرقْه من أوصالك واستبدلْ به دمًا صافيًا يهزُّ العالمَ بجريانه، واعلم بأنّهُ لا يكون لك دمٌ جديدٌ إلا بالحبّ، فالحبُّ صانعُ الحياة:
لكَ نارُ القلبِ والدمعُ غذاءْ
نضِّرِ البستانَ من شمسٍ وماءْ
افطمنْ روحَكَ من درِّ الرّجيمْ
تشركِ الأملاكَ في قربِ الرّحيمْ
أيّها المسلم: ليكنْ خلقُكَ القرآن، كما كان نبيّكَ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، ولتكنْ شهورُ عمركَ كلّها شهرَ رمضانْ، وكلّ ليلةٍ من ليالي عمركَ العابرة ليلةَ القدر، حينها يبدأ التّغييرُ، ويبدأُ البناءُ والتّعمير (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ).
ولا تغرنّك الحياةُ الدّنيا فهي أقلُّ من أن تنالَ من قلب مؤمن، ولتكن الدّنيا في كفّك والآخرةُ في قلبك: (( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ) ).
فانتصرْ لروحكَ على التّراب، وأوقدْ في قلبكَ شهابًا من الحبِّ، فلنْ تصلَ إلا بهذا الشّهابْ:
الجسمُ في بنيانهِ بالرّوحِ يكتسبُ الحياةْ لكن حياةُ الرّوحِ في قربِ الحبيبِ وفي رضاهْ فاحرصْ على القربِ أكثرَ من حرصكَ على الحياة، ولا تُفضّلْ أمرًا من الدّنيا على طلبِ القربِ منه سبحانه، فإنّ في قربهِ وفي رضاه وجدانَ الفضيلة، وفي جفاهُ سبحانه انقطاعَ الوسيلة، فاخترْ لنفسِكَ الأُولى، فذكَ أحرى بكَ وأَوْلى.
(للهِ ما أحلى زمانًا تسعى به الأقدامُ على أرضِ الاشتياق) .
ومن طلب المحبوبَ، هان عنده المطلوب، فبذر روحَه قبل ماله، حتّى يقيلَ في أفياءِ المحبوبِ وظلاله، وتحفّزَ بما لديه من الغالي والزّهيد، ليتّصلَ بمحبوبِ الفؤاد، فإنّ وصلَ محبوبهِ عنده عيدْ، وزادَ بالبذلِ وأسرفْ، لأنّهُ (مَنْ لم يباشرِ الهجيرَ في طِلابِ المجدِ، لم يقلْ في ظلالِ الشّرفْ) .
فسبحانَ الذي هانتْ في سبيله المهجْ، وسُلِكَ إليهِ كلُّ سبيلٍ وفجّْ، وبادرَ أفئدةَ أحبابِهِ بطيّبِ الشّذا والأرجْ، فليسَ على باذلِ نفسِهِ في حبّهِ من حرجْ، سبحانه وتعالى.
مطلوبُ القلوب، وعلامُ الغيوب، وعنده وحده مفاتيحُ الفرجْ.