فهرس الكتاب
كُنْ مُسْلِمًا (4)
أيّها المسلم: (تذكّرْ حلاوةَ الوصال، يهنْ عليكَ مرُّ المجاهدة) .
أيّها المسلم: ألزمْ كلَّ جارحةٍ فيكَ شهودَ ربّكَ في كلِّ حين، والزمْ بابهُ سبحانه، فعندَ بابِهِ تحطُّ الرّحماتُ أطمارَها، وتنزلُ العطايا أقدارَها، وتبدي الآلاءُ آثارَها، وتُطلقُ شجرةُ العنايةِ أثمارَها، فإذا نزلتَ ببابه سبحانه فقد نلتَ الأطمارَ، وحقّقتَ الأقدارَ وسرحتَ في مواقعِ الآثارِ ثمّ حظيتَ بالأثمارِ، فداومْ نفسَكَ على زيارةِ مواقعِ الجودِ والإحسانْ، ولا تنصرفْ عنها قاصدًا سواها، فليس في سواها غيرُ الخيبةِ والخذلان. (لا تتعدَّ نيّةُ همّتِكَ إلى غيرِهِ، فالكريمُ لا تتخطّاهُ الآمال) .
أيّها المسلم: عليك بتقوى الله، فما نفعَ القلبَ مثلُ تقواهُ سبحانه، فإنّها فاتحةُ الخيرات، وجامعةُ الحسناتْ، وبها يحظى العبدُ مقعدَ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدرٍ في أعلى الجنّاتْ، سُكناهُ فيها في ظُللٍ تحوطُها غرفٌ من فوقِها غرفٌ مبنيّاتْ.
(( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ) ).
أيها المسلم: (لو كنتَ كما تدّعي من أهلِ اللّبِّ والحجى، لأتيتَ بما هو أحرى بك وأحجى، ألا إنّ الأحجى أنْ تلوذَ بالرّكنِ الأقوى، ولا ركنَ أقوى من التّقوى) .
واتّقِ الله فتقوى اللهِ ما --- جاورتْ قلبَ امرءٍ إلا وَصلْ
ليسَ من يقطعُ طُرْقًا بطلًا --- إنّما من يتّقِ اللهَ البطلْ
أيّها المسلم: أنْ تتقي الله، يعني ألا تعصيه حيثُ لا يراكَ غيرُه، فاتّقِ الله ما استطعتَ، واعلمْ أنّ التقوى هي جمالُ الرّوح حيثُ آذاها البعدُ عن المحبوب، وجلاءُ القلبِ حيثُ سوّدتْ صفحتَهُ الذّنوبُ ورانَ عليهِ ما كسبْ، وإنّها سفرُ العقلَِ في ميادينِ الفكرِ والجمال، واعلمْ أنّ لباسَ التّقوى هو خيرُ لباسٍ ترتديه، فلا تستبدلْ به حلّةً لا تدومُ، أو لباسًا لا يبقى.
(الدّنيا بجميعِ لذائذها، حملٌ ثقيلٌ وقيدٌ لا يرضى به إلا المريضُ الفاسد الرّوح، فبدلًا من التّعلّقات والاحتياجاتِ إلى كلّ الأسباب، والتملّقِ لكلّ الوسائط، والتّذبذبِ بين الأربابِ المتشاكسين الصّمّ العمي، لا بدّ من الالتجاءِ إلى الرّبِّ الواحد، الذي إنْ توكّلتَ عليه فهو حسبُك) .
إنّها التقوى: السّمتُ الذي تُبنى عليه مكارمُ الأخلاق، واعلمْ أنّ (الأخلاقَ الحسنةَ إنّما هي استشعارُ معنى الرّقابةِ الإلهيّةِ في القلب) ، وهي حصنُ المسلم الذي يدفعُ عنه، وَبالَ الدّهر وصروفَ القهر، وهي السّفينةُ التي تأخذُ به إلى شاطئ الأمن، وإنّها مُلتقى الكراماتِ وهي خيرُ ما في الحياة.
ألا يرضيك أن تكونَ جليسَ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في يومِ القيامة (أقربكم منّي مجلسًا يوم القيامة، أحاسنُكُم أخلاقًا) .
فيا أيّها المسلم: (اِحرصْ وفيك بقيّةٌ، على أنْ تكونَ لك نفسُ تقيّة) .
أيّها المسلم: لا يزالُ لسانُكَ رطبًا بذكرِ الله (( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) )، فإنّ ذكرَ الله هو السّرُّ الذي يمدُّ قلبَكَ بالطّاقة، وأوصالَكَ بالحياة، وغدَكَ بالنّجاة، وحياتَكَ بالخاتمةِ الحسنة، وقبرَكَ بالسّعة،