فهرس الكتاب
وميزانَك بالحسنات، وآخرتَكَ بالجنّة، وليكنْ قلبُكَ مهبطًا لشهودِ خالقك، ولتكنْ روحُك منزلًا لوارداتِ الحضورِ والحبّ.
(واعلم أنّ الحياةَ الكريمة تبدأُ من حرارة ذكرِ الله، والعيشة الرّاضية لا تتأتّى إلا بحرارةِ ذكرِ الله والثّقة بنصره، فلا سبيلَ إلى الحرّيَة إلا بنقاء الفكر من همزات الشّياطين، وإغراء المفسدين، وعفّتِه من أدناسِ الشّرك، وصفائِه من أثرِ الاستعمار) .
وإنّ في ذكركَ لله استحضارًا لحبِّ الله في قلبك، ووفاءً لله وشكرًا له على نعمائه وآلائه، وطُمأنينةً تغشى طوايا القلب وحلاوةً تغمرُ الجوارح، ولن يبرأ القلبُ من النّزعات وتصفو الرّوح من النّزغات إلا بذكرِ الله عزّ وجلّ , فاجعلْ من وقتِك خميلةً فيها أشجارُ الذّكرِ بَواسِقْ، وأثمارُ التّسبيحِ يَوانعْ، وأزهارُ التّكبيرِ والتّهليلِ روائعْ، وأريجُ الحمدِ والشّكرِ سابقْ.
(لا بدّ من فتراتٍ ينخلعُ فيها القلبُ من شواغلِ المعاش وجواذبِ الأرض، ليخلوَ إلى ربّه ويتجرّدَ لذكره ويتذوّقَ هذا الطّعمَ الخاصَّ للتّجرّدِ والاتّصالِ بالملأ الأعلى ويملأ قلبه وصدرَه من ذلك الهواء النّقيِّ الخالص العطرِ ويستروحَ شذاه) .
وكما يطيبُ الذّوقُ بجنى الأثمارِ آنَ القطافْ، وتطيبُ النّسائمُ بتراتيلِ الحمائم، وتميدُ الأغصانُ إذا عَرَضتْ بها الرّقائقُ اللِّطافْ، كذلك يفعلُ ذكرُ الله فعلَهُ في القلوبِ إذا مرَّ بها وطافْ.
تُجتلى الأنوارُ من مضامينِ الغيوب، وتستقرُّ أطيافُ الجلالِ وأوصافُ الجمال في زجاجاتِ القلوب.
تختلبُ العيونَ شاهداتُ الهدى، وتنسابُ في الجوارحِ فصولُ النّدى، وتجذبُ الأرواحَ عائداتُ التّقوى، وتُسكرُ النّفوسَ هاتفاتُ النّجوى، فتَطربُ القلوبُ وكأنّها أُحِلّت دارَ المُقامة من فضله، وتنتشي الأرواحُ وكأنّها أُدخلتْ جنّةَ المأوى.
فالهدايةُ سِدرُها مخضود، والعنايةُ طلحُها منضودْ، والرّحمةُ ظلُّها ممدودْ، سألتِ القلوبُ فاستُجيبتِ الأمانيُّ، وطلبتِ الأرواحُ فبُثَّتْ على رفوفِ العطاءِ الزّرابيّ.
وطارتْ بالخواطرِ الأشواقْ، وغابتْ في خيالِ محبوبِها الأذواقْ، فاليدُ البيضاءُ حاضرةُ العطاء، وكأسُ السُّرورِ دِهاقْ.
هنا صارَ العذابُ عَذبًا، وصارَ العذبُ أعذبْ، وكان ربعُ النّورِ ما أقصاهُ، صارَ الرَّبعُ أقربْ، وتهادى رَوْحُ النّعيمِ في مَطارِفِ الرُّوحِ وتشعّبْ، فبأيِّ آلاءِ الإله يُكَذّبْ.
صحَّ بالفقرِ الغنى، وقوبِلتْ بالقَبولِ المنى، ونادى بالأرواح هاتفُ الرّحمن قائلًا:"ثمّ دنا"
شهداءُ عِرفانِ الهدى شهداءُ --- دمُهم على أكفانِهم عُرَفاءُ
فإذا حيوا فبذكرِهِ وإذا همُ --- ماتوا ففي فردوسِهِ أحياءُ
فكأنّما نَشْرُ الشّذا من نشرِهمْ --- وكأنّهم في غيرِهم آلاءُ
(ألا إنّ حقَّ الثّناء، لمن لهُ حُقَّ السّناء، ولا أعلى من ربِّ العرشِ وأسنى، ولا أحسن من أسمائِه الحُسنى، فاستفرغْ في تمجيدِهِ طوقَك، واجتهدْ ألا يكونَ ممجّدٌ فوقَك) .
أيّها المسلم: إذا قُمتَ للوضوءِ فطهِّرْ قلبَك أوّلًا من علائقِ الأغيار، واغسلْهُ من أثرِ الذّنوب، واشهد الله في كلِّ جارحةٍ فيك، فإذا غسلتَ يديكَ فما ذلك إلا لتعاهدَ الله على الاستقامة ولكن بيدينِ نظيفتين، ولتكنْ لك في كلِّ ساعةٍ مع ربِّكَ"بَيْعةُ رِضوان"، فذلك مطلبُ المؤمن الحرّ، وإذا أجريتَ الماءَ على جوارحِكَ، فما ذلك إلا لتقبلَ على الله بوجهٍ نظيف وجسدٍ نظيف، فإنها شروطُ الحضورِ بين يديه، والوقوفِ في حضرته.