الصفحة 169 من 230

وإذا قمتَ إلى الصّلاةِ فلتكنْ صلاتُكَ معراجًا إلى محلِّ أُنسهِ، ووقوفًا في محرابِ قُدسِه، ثمَّ لِيكنْ فيها قُرّةُ عينك، وإجماعُ قلبك، واعلمْ أنّ الصّلاة هي: (محلُّ المناجاة، ومعدِنُ المصافاة، تتّسعُ فيها ميادينُ الأسرار، وتُشرقُ فيها شَوارقُ الأنوار، وهي طُهرةٌ للقلوبِ من أدناسِ الذّنوب، واستفتاحٌ لبابِ الغيوب) .

وهاأنذا أسوق لك قولًا للدّاعية العظيم بديع الزّمان النورسي والذي أدرك من الصّلاة آفاقًا وغاياتٍ فقال: (إنّ الصّلاة والنّظر إلى الكعبة خيالًا مندوبٌ إليها، ليرى المصلّي حول بيتِ لله صفوفًا كالدّوائر المتداخلة المتّحدة المركز، فكلّما أحاط الصّفُّ الأقربُ بالبيت، أحاط الأبعدُ بعالم الإسلام، فيشتاقُ إلى الانسلاك في سلكهم، وبعد الانسلاك يصيرُ له إجماعُ تلك الجماعة العظمى وتواترهم حجةً وبرهانًا قطعيًا عل كلِّ حكمٍ ودعوى تتضمّنها الصّلاة، فإذا قال المصلّي:"الحمد لله"، كأنّه يقول كلُّ المؤمنين المأمومين في مسجد الأرض: نعم صدقت، فيتضاءلُ ويضمحلُّ تكذيبُ الأوهام ووسوسةُ الشّياطين) .

أيّها المسلم: إذا ما دخلتَ في الصّلاة فقد ملكتَ زمامَ السّرائر، وصرتَ قاضيًا في محكمة الخواطر، فلا يكون منك غير تسبيحٍ وذكرٍ وحمد، واطرقْ بابَ مولاك بالرّكوع بين يديهِ، فإذا ما سجدتَ لله فُتحت أمامك مصاريعُ الغيوب (أقربُ ما يكون العبدُ من ربّه وهو ساجد) ، واعلم بأنّ سجودَكَ لله والإطراق بين يديه هو تاجُ الكرامة الذي يبرق فوق رأسك فيجعل من ذاتك حَرَمًا حرامًا على غير مولاك.

إذا ما جبيني لاصقَ الأرضَ خاشعًا --- وردّدْتُ يا سُبّوحُ يا ربُّ ... عابدا

تغنّيتُ بالتّقديسِ عن عالم الدّنا --- وأشرقتُ واستشعرتُ نفسيَ صاعدا

وكنتُ أنا والنّورُ مثنىً فذبتُ في --- تجلّيه حتّى عدتُ والنّورُ واحدا

وإنّ السجودَ هو الزّينةُ التي تجمل بها الرّوح فتتعالى عن بَدأةِ الصّلصال والفخار سابحةً في فضاءاتِ الشّهود والوقار نازلةً في منازل الرّحمن.

إنّه الوقت الذي تصفو فيه سماءُ القلبِ من دخانِ الأغيار، لِتَؤُمَّ شطرَ كعبةِ الأنسِ والرّضى العِرفان: (إنّ الإنسانَ في تكوينهِ قبضةٌ من طين هذا العالم، ولكنّ له صدرًا لا يقلُّ عن العرشِ كرامةً وسموًّا، فقد أشرقَ بنورِ ربّه وحمل أمانةَ الله. إنّ الملائكةَ تمتازُ بالسّجودِ الدّائم، ولكن من أين لها تلك اللّوعةُ التي امتاز بها سجودُ الإنسان) .

فإذا ما انتهيت من صلاتك أيها المسلم، فذلك إقبالٌ على الدّنيا والله في قلبك، فإذا لم تنهك صلاتك عن الفحشاءِ والمنكر فإنّك لم تُصلّ.

وهاأنذا أسوقُ لك مرّةً أخرى كلماتٍ لواحدٍ ممّن أدركوا من أسرارِ الصّلاة الكثير، فاسمعْ إليه وهو يقول: (بالانصراف إلى الصّلاة وجمعِ النّيّةِ عليها، يستشعر المسلمُ أنّه قدْ حطّمَ الحدود الأرضيّة المحيطة بنفسه من الزّمان والمكان، وخرج منها إلى روحانيّةٍ لا يُحدُّ فيها إلا بالله وحده، وبالقيام إلى الصّلاة، يحققُ المسلم لذاته معنى إفراغِ الفكرِ السّامي على الجسمِ كلِّه، ليمتزجَ بجلالِ الكونِ ووقاره، كأنّه كائنٌ منتصبٌ مع الكائناتِ يسبّحُ بحمده وبالتّولّي شطرَ القبلة في سَمتها الذي لا يتغيّرُ على اختلاف أوضاع الأرض، يعرفُ المسلم حقيقةَ الرّمز للمركز الثّابت في روحانيّةِ الحياة، فيحملُ قلبُه معنى الاطمئنان والاستقرار على جاذبيّة الدّنيا وقلقها، وبالرّكوع والسّجود بين يدي الله يُشعر المسلم نفسَه معنى السّموّ والرّفعة على كلّ ما عدا الخالق من وجود الكون، وبالجلسة في الصّلاة وقراءة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت