فهرس الكتاب
التّحيّات الطّيبات يكون المسلم جالسًا فوق الدّنيا يحمدُ الله ويُسلّمُ على نبيّهِ وملائكته ويشهد ويدعو، وبالتّسليم الذي يخرجُ به من الصّلاة، يُقبلُ المسلمُ على الدّنيا وأهلها إقبالًا جديدًا، من جهتي السّلامُ والرّحمة.
هي لحظاتٌ من الحياة كلّ يومٍ في غير أشياءِ هذه الدّنيا لجمعِ الشّهوات وتقييدها بين وقتٍ وآخر بسلاسلها وأغلالها من حركاتِ الصّلاة، ولِتمزيقِ الفناءِ خمسَ مرّاتٍ كلّ يومٍ عن النفس، فيرى المسلم من ورائه حقيقةَ الخلود، فتشعرُ الرّوح أنها تنمو وتتّسع، هي خمسُ صلواتٍ وهي كذلك خمسُ مرّات يفرغُ فيها القلبُ ممّا امتلأ به من الدّنيا، فما أدقَّ وأصدقَ قولَهُ صلّى اللهُ عليه وسلم: «وجُعلت قرّةُ عيني في الصّلاة» ).
أجل، إنّها الصّلاة: الشّربةُ الأصفى، في قُبّةِ الكأسِ الأوفى، ونزولٌ في منازل الأنس والودّْ، وطوافٌ حول كعبة الحب والوجدْ، وارتقاء في سماوات الشهودْ، وانصراف بالكليّة إلى المعبودْ.
إنّها إشهادُ من في الأرض على صدق دعوى الحب والهيام، وإشهادُ من في السماء على صدقِ فحوى الذّكر والكلام، وإشهادُ خالق السماوات والأرض على أنّ هذا القلب ملكُه.
ولقد قيل: (إنّه إذا ماتَ المؤمنُ، بكى عليهِ موضعان، موضعٌ في الأرض وموضعٌ في السماء، أمّا الذي في الأرض فهو الذي كان يشهدُ صلاتَه وأمّا الذي في السّماء، فهو الذي كان يصعدُ إليه عملُهُ الصّالح) .
نعم، هي حمدٌ باللّسان، ولكن بعدَ أنْ صدعتِ الرّوحُ بالحمد، وهي التّسبيحةُ القدسيّةُ التي تشتركُ فيها كلُّ جارحةٍ في الجسد.
إنّها ترجمانُ العلاقة بين القلبِ والمحبوب، وسفيرُ الرّوحِ إلى فضاءاتِ رحمته، ووثيقةٌ تنصُّ على براءةِ القلبِ من غير الله، وعهدٌ ينصُّ على نجاةِ العبدِ من النّار.
(فلا تسجدْ ولا تركعْ إلا وقلبُك خاشعٌ متواضعٌ على موافقةِ ظاهرك، فإنّ المراد خضوعُ الروح لا خضوع البدن، ولا تقلْ"الله أكبر"وفي قلبك شيءٌ أكبر من الله تعالى ولا تقلْ"وجّهت وجهي"إلا وقلبُك متوجّهٌ بكلِّ وجههِ إلى الله ومعرِضٌ عن غيره، ولا تقلْ"الحمدُ لله"إلا وقلبُك طافحٌ بشكر نعمه عليك فَرِحٌ به مُستبشر، ولا تقل"وإيّاك نستعين"إلا وأنت مُستشعرٌ ضعفَكَ وعجزَكَ وأنّه ليس إليك ولا إلى غيرك من الأمر شيء) .
أيّها المسلم: إذا صُمتَ ومنعتَ عن جوفكَ الطّعام والشّرابَ، فليصمْ قلبُك قبل ذلك عن الالتفات إلى غيره سبحانه فإنّ الانصرافَ إلى سواه جلَّ وعلا، إفطارٌ على مائدةِ الشّيطان.
جدِّدهْ حياتَكَ بالصّيامِ --- فإنّ فيه غذاءَ روحكْ
داوِ الذي تشكو بتقوى اللهِ تبرا من قروحِكْ وارقَ الذّرا وَدَعِ الثّرى طالَ المُقامُ على سُفوحكْ وإذا حججتَ بيتَ الله فَليحجَّ قلبك إلى مَهوى الفؤاد وكعبةِ الأسرارِ قبل أنْ تحجَّ عيناكَ إلى بناءٍ من الأحجار.
وإذا استخلفكَ اللهُ على مالٍ فابسطْ يدكَ راضيًا وامنعْها على العيون، فلا خيرَ في يمينٍ تُنفقُ وشمالُها عليها قائمةٌ وبها عالمة.