فهرس الكتاب
كُنْ مُسْلِمًا (5)
أيّها المسلم: لا تهجرِ القرآنَ، فإنّهُ كتابُ الله، فإذا هجرته فقد فقدتَ الكثير، واعلمْ أنّه رسالةُ اللهِ إليك، فيها ممّا تحبُّ ما لا يُحصيهِ الفهمُ أو يحيطُ به الإدراك، فرتِّلْهُ آناءَ اللّيلِ وأطرافَ النّهار، فإنّ آياتِهِ جذباتُ عشقٍ من حضرةِ الرّحمن، وسورَهُ سوانحُ الرّوح للدّخولِ إلى فِناءِ مملكته، وكلّ كلمةٍ فيه إذنٌ لك بالدّخولِ على الرّبّ العظيم، ينسابُ فيهِ ماءُ الحياةِ فمنهُ وِردُ القلوب، ويجري في مسالكِ الرّوح فبهِ جلاءُ الذّنوب، تأخذ منهُ الألفاظُ بمجامعِ الألحاظ، وتعزفُ منه المعاني على أوتارِ الرّوحِ، وتُسكرُ منه الآياتُ لا كما تُسكرُ الغَبوقُ أوِ الصّبوح، لا تستقيمُ المباني في نظمٍ كما استقامتْ مبانيه، ولو أنّ ما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يمدُّه من بعدهِ سبعةُ أبحرٍ ما نفدتْ معانيه:
(آياتٌ منزلةٌ من حولِ العرش، فالأرضُ بها سماءٌ هي منها كواكبْ، بل الجندُ الإلهيُّ قد نُشِرَ له من الفضيلة علمٌ، وانضوتْ إليه من الأرواحِ مواكبْ، أُغلقتْ دونَهُ القلوبُ فاقتحمَ اقفالَها، وامتنعتْ عليهِ أعرافُ الضّمائر فابتزَّ"أنفالها".
ألفاظٌ إذا اشتدّت فأمواجُ البحارِ الزّاخرة، وإنْ هي لانتْ فأنفاسُ الحياةِ الآخرة، تذكر الدّنيا فمنها عمادُها ونظامُها، وتصفُ الآخرةَ فمنها جنَتُها وصِرامُها، ومتى وعدتْ من كرمِ الله جعلتِ الثّغورَ تضحكُ في وجوهِ الغيوب، وإن هي أوعدتْ جعلت الألسنةَ ترعدُ في حمى القلوب.
ومعانٍ بينا هي ترويك من ماءِ البيان، ورقّةٌ تستروحُ منها نسيم الجنان، ونورٌ تبصرُ به في مرآةِ الإيمانِ وجهَ الأمان، وبينا هي ترفُّ بندى الحياة على زهرة الضَمير، وتخلقُ لأوراقها من معاني العبرة معنى العبير، وتهبُّ عليها بأنفاسِ الرّحمة فتَنِمُّ بسرِّ هذا العالم الصّغير، ثمّ بينا هي تتساقطُ من الأفواه تساقطَ الدُّموع من الأجفان، وتدعُ القلبَ من الخشوع كأنّه جنازةٌ ينوحُ عليها اللّسان، وتمثّلُ للمذنب حقيقةَ الإنسانيّة حتّى يظنَّ أنّه صنفٌ آخرُ من الإنسان، ... ، لا جرم أنّ القرآن سرُّ السّماء، فهو نورُ الله في أفقِ الدّنيا حتّى تزول، ومعنى الخلود في دولةِ الأرضِ إلى أن تدول).
أيّها المسلم: ما أجملَ أن تكلّمَ المولى، وأنت العبدُ الضّعيفُ وهو الرّبُّ العظيم، إنّها لساعةٌ تُنسيك ما قبلها، إنّه الكلامُ مع الله، ملتقى السّرِّ مع من يعلمُ السّرَّ وأخفى، وملتقى الحيرانِ مع نارِ الهداية، وملتقى السّفينِ الشّاردةِ مع مناراتِ المرافئ، إنّه لقاءُ الرّوح مع مطلوبِها، والأملِ مع غايته: (كلُّ آيةٍ من آياته الجليلة، كعصا موسى عليه السّلام، تفجرُ الماء أينما ضربت، إنّهُ شمسُ الكواكبِ السّيّارة، والمنبعُ السّلسبيل الباعث على الحياة، يتلو آياتِ الكائناتِ في مسجدِ الكونِ الكبير هذا، فلننصتْ إليه، ولنتنوّرْ بنوره، ولنعملْ بهديِهِ الحكيم، حتّى يكونَ لسانُنا رطبًا بذكرهِ وتلاوتِه) .
أجل أيّها المسلم: (اجعلْ كتابَ الله نجِيّكَ فنعمَ النّجيّْ، وإنّكَ لحريٌّ بمناجاتهِ حجيّْ) ، فإنّ ما تستشعرُهُ الرّوحُ وهي تطوفُ في مثانيِّ الكتاب من السّعادة والطّمأنينة والنّشوة لَيضيقُ عن الحصرِ والإحاطة، فإذا رتّلتَهُ كان لك هذا في دنياك، ويُقالُ لك في يوم القيامة: (اقِرا وارقَ ورتّلْ كما كنتَ ترتّلُ في الدّنيا) .
فأقبلْ على كتابِ الله، تهذّبُ به لسانَكَ فينتظمْ، وقلبَكَ فيستقيم، وتسقي بنَميرٍ وحيِهِ قفرَ الضّمير، ينبعث أكمامَ خيرٍ وزهورَ إيمان.
(فاجتهدْ بأن تحاذي بوجهِ قلبكَ شطرَ شمسِ القرآن، وتستضيءَ بأنواره كذلك، فإنْ لم تطقْ ذلك فأصغِ إلى النّداءِ الواردِ من جانبِ الطّورِ الأيمن، فإن آنستَ من جوانبهِ نارًا، فخذْ منهُ قبسًا، وأشعلْ منه