الصفحة 172 من 230

سراجًا، فإن كان زيتُك صافيًا يكادُ يضيءُ ولو لم تمسسْهُ نار، فإذا مسّتْهُ النّارُ انبعثَ منه الضّياءُ، ووجدتَ على النّارِ هدى، وقام في حقّك مقامَ الشّمسِ المنتشرةِ الإشراقِ والضّياء).

أيّها المسلم: (اِقرأ القرآنَ كأنّهُ أُنزلَ عليك) ، وأرسلْ فيهِ عينَ التّفكّر وجارحةَ التدبّر، فإذا رُزقتَ الفهمَ عنه رُزقت البراءةَ من الإثم، والعصمة من الموبقات، والرّاحة في الحياة، والخوف من الخوف، فإنّكَ في معيّةِ الله ما دمتَ تسلكُ القلبَ بين دُفّتيه، وتأمّلْ في كلامِ سيّدنا جعفر الصّادق رضي الله عنه بعدَ أن رُزِقَ الفهمَ عنه والعلمَ به: (عجبتُ لمن خاف ولم يفزعْ إلى قول الله سبحانه(( حسبنا الله ونعم الوكيل ) )فإنّي سمعتُ الله يعقبها بقوله: (( فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ) ).

وعجبتُ لمن اغتمَّ ولم يفزعْ إلى قوله سبحانه: (( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) )، فإنّي سمعتُ الله يعقبها بقوله: (( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) ). وعجبتُ لمن مُكرَ به ولم يفزعُ إلى قولِ الله , فإنّي سمعتُ الله يعقبها بقوله: (( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) ). وعجبتُ لمن طلبَ الدّنيا وزينتها، كيف لا يفزعُ إلى قولِ الله: (( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) )، فإنّي سمعتُ الله يعقبها بقوله: (( إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ) ).

كُنْ مُسْلِمًا (6)

أيّها المسلم: إنّ فاتحةَ هزائمِ المرءِ هي هزيمتُهُ أمامَ نفسه، فلا تضعفْ أمام نفسك، فإنّ النفسَ إذا بسطتْ سلطانها على المرء أردتْهُ طريحَ الأدواء والعلل، وإنها من أولياءِ الشّيطانِ، فاكبحْ جُماحَها بذكرِ الله وبالقرآن، وقيّدْها بقيودِ الإيمان:

وخالفِ النّفسَ والشّيطانَ واعصِمها --- وإنْ هما محّضاكَ النّصحَ فاتّهمِ

ولا تطعْ منهما خصمًا ولا حكمًا --- فأنتَ تعرفُ كيد الخصمِ والحكَمِ

أيّها المسلم: لا يغرنّكَ طولُ العمر، فما أهلكَ من هلك إلا طولُ الأملِ ونقصُ الرّجاء، فماهي إلا سنّي قليلة وتنقضي، وكما قيل: (من عدَّ غدًا في أجلِهِ فما أحسنَ صحبةَ الموت) ، فاذكر الموتَ هاذمَ اللّذّات، وليكن الموت عندك فرارًا إلى الله بقلبِ راغب، ولا يكوننّ سَوقًا بسلاسل القهرِ، فما الموتُ إلا لقاء الحبيب، وإنهُ الميعادُ الذي إذا جاء ألفيتَ كلّ تميمةٍ لا تنفع:

وما المالُ والأهلون إلا ودائعٌ --- ولا بدّ يومًا أنْ تُردَّ الودائعُ

(يا ابن أمي وأبي هات، حديثَ الآباء والأمّهات، وحدّثْ عن رجالِ العشيرة، وكرامِ الأخلاءِ والجيرة، من الجارِ الجنب، وماسّ الطُّنُب، ومن جاثنياهُ على الرّكبْ، وجاريناه في كشفِ الكربْ، ومن رفدنا بالخير ورفدناه، ومن أفادنا الحكمةَ وأفدناه، قد اقتضاهم من أوجدهم أن يفنَوْا، وخلتْ منهم الدّيارُ كأن لم يغنَوْا، وكفى بمكانهم واعظًا لو صودفَ من يتّعظ، وموقظًا عن الغفلةِ لوْ وُجدَ من يستيقظ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت