الصفحة 173 من 230

واعلمْ أنّ الموتَ عند أهل الصدقِ والإيمان الحقّ هو ترجمانُ الشّوقِ إلى الله ولقائه، وإنّه عودةُ الرّوحِ إلى وطنها الأوّل، ولقاء صاحب الملك.

ولقد سُئلتُ مرّةً: ما هو دواءُ الشّوق؟ فقلتُ: هو الموت، فقال ليَ السّائلُ: ولكنّي أسمعهم يقولون: إنّ دواءَه اللّقاء، قلتُ: أجلْ؛ هو ذاك، ولكن من تلاقي؟ فقال: ألقى الحبيب، فقلتُ له: ومن هو حبيبُك؟ ... فَبُهتَ الذي فكّرْ‍‍‍‍!!!!

إنّه إغماضُ العينين، ولكنّه انفتاحُ القلبِ على عالم السّماء، وإنّه سكونُ الجوارحِ والأعضاء، ولكنّه طيرانُ الرّوح إلى فضاءِ الشّهودِ واللّقاء.

أيّها المسلم: لا تنسَ الموتَ فتخلدَ إلى الحياة، ولا تنسَ اللّقاءَ، فيبعدَ قرارُك ويشطَّ مزارُك، وكنْ مع الله دائمًا، واعلمْ أنّه (( إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) )، فلا يأتينّكَ الموتُ وأنت عنه لاهٍ وعن الحقوق ساهٍ، وليكنْ إذا ما جاءكَ حبيبًا جاء على شوق، فما هي إلا نزعةٌ أو سكرة، حتّى تلحقَ بالرّكب، وما هي إلا طرفةُ عين حتى تكون في جنّاتِ النّعيم بإذنِ ربّ العالمين.

فهذا بلالٌ الحبشيّ رضي الله عنه، يعالجُ سكراتِ الموت، فتندبه زوجه وتقول:

وابأساه .. واحزناه، فيقول لها: بلْ قولي ... وافرحاهُ ... واطرباه، غدًا ألقى الأحبّة، محمّدًا وصحبَه.

طاروا على أجنحةِ الشّوق، وفنوا عن العوالم والخلق، وغابوا في الملك الحقّ، فالموتُ عندهم حياة، وسكراتُه جذباتُ عشقٍ من كفِّ الحبيب.

وهذا معاذُ بن جبلٍ رضي الله عنه يقولُ وهو يُغالبُ سكراتِ الموت: أيْ ربّ .. اخنقي خنقاتِك، فوعزّتك وجلالك إنّي أحبّك.

نعم: إنّه الموت، طريقٌ إلى حضرةِ الرّحمن، وما وارداتُه إلا حدوًا لقوافلِ العشقِ السّائرةِ إليه.

أيّها المسلم: إذا جاءكَ الموتُ فعلّم قلبَكَ أنْ يقول: (( وعجلت إليك رب لترضى ) ).

أيّها المسلم: لا تسلِمْ قلبك للكرى، واهجرْ فراشَ راحتك، وأجبْ داعيَ الإيمان في قلبك، فإنّ لله في كلِّ لحظةٍ هاتفَ صلةٍ لمن أرادَ أن يتّصلَ به سبحانه، وأزحْ عن قلبك ستورَ اللّيل، وقمْ بينَ يدي مولاك متبتّلًا متملّقًا، فما أجمله من مكان، إنّه مكانٌ يطهر فيه القلبُ وتسمو فيه الرّوح في مراقي الدّرجات، وتبتلُّ فيهِ الجوارحِ بندى الحبِّ المتساقط من رحيقِ حضرته سبحانه، وتغتسلُ فيه النّفسُ من السّوء، وتنفلتُ من دائرةِ القطيعة والجفاء، إنّه القيامُ بين يديه، إنّها لساعةٌ هي بالعمر كلّه، ساعةٌ أنت جارُ الحبيب، تخلو به عن أعينِ الرّقباء، تناجيهِ بملكاتِ النّفس الطّاهرة وحضور القلبِ الطّهور، وبجوارحكَ الذّاكرة الشّاكرة، فلا يكون منك في هدوء اللّيل إلا أنين الفؤاد المجروح والكبد القريحة.

(إنّه الأفقُ الوضيءُ الكريم، الأفقُ الذي يكبرُ فيه الإنسانُ لأنّهُ يطامنُ من كبريائه، وترفُّ فيه روحُهُ وضيئةً لأنّها تعنو لله! إنّه الانطلاقُ من قيودِ الذّاتِ ليصبحَ البشرُ أرواحًا من روحِ الله، ليس لها حظٌّ في شيءٍ إلا رضاه) .

كُنْ مُسْلِمًا (7)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت