فهرس الكتاب
إن الهدف من الوجود الإنساني على الأرض هو تحقيق العبودية لله، سواء على مستوى المجتمعات بتطبيق شرع الله أو على مستوى الأفراد بالتربية الإيمانية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، ولكن في ظلِّ المنهج الإسلامي؛ لا يمكن أن تتحقق الأولى (تعبيد المجتمع) إلا إذا تحققت الثانية (تعبيد الأفراد) .
فالتربية الإيمانية لابد وأن تَسْبِق قضية الشريعة، والناظر إلى خطوات النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة دولة الإسلام يجد أنه رَكَّز أولًا على غرس الجانب الإيماني في قلوب أصحابه قبل تقريره لأحكام الشريعة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما نزل من القرآن سورة فيها ذكر الجنة والنار - تعني رضي الله عنها سورة المدثر - حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحرام والحلال، ولو نزل من أول الأمر لاتزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا ولو نزل لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا)
لذلك فإن توطين النفس على الالتزام بالدين وتحقيق العبودية لله هي في الحقيقة أولى خطوات إقامة المنهج الإسلامي في الأرض.
ودعونا نضرب مثالا لتتضح الصورة حول ماذا سيكون عليه الحال إذا طبقت الشريعة دون تربية أفراد المجتمع على الاستسلام والخضوع لله،"حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على ظاهرة إدمان الخمر التي تفشت داخل المجتمع فأصدرت قانونًا عام (1919م) يُحرم الخمر؛ ولكي ينجح تطبيق هذا القانون استخدمت الدولة وسائل النشر والإذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر، حتى أنها أنفقت في حملة الدعاية هذه ما يزيد عن ستين مليونًا من الدولارات، وما نشرته من كتب ونشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم لا يقل عن مائتين وخمسين مليون جنيهًا، وقد أعدم فيها ثلاثمائة شخصٍ، وسُجن كذلك خمسمائة واثنان وثلاثون ألفًا وثلاثمائة وخمسة وثلاثون (532335) شخصًا وبلغت الغرامات ستة عشر (16) مليون جنيهًا، وصادرت الحكومة من الأملاك ما يبلغ أربعمائة (400) مليونًأ وأربعة بلايين جنيهًا .. وبعد كل هذه الإجراءات فشلت أمريكيا في منع الخمر فاضطرت للتراجع وإلغاء القانون".
أما الإسلام فمنع على مجتمع المدينة الخمر، التي اعتادوها وأفرطوا فيها ونظموا فيها القصيد ببضع آيات من القرآن، جعلتهم يخرجون بدنان الخمر إلى شوارع المدينة، وسككها فأراقوها"، إنه الإيمان حينما تخالط بشاشته القلوب."
لقد ظلَّت الشريعة الإسلامية مغيبة ما يزيد عن قرن ونصف من الزمان، والعودة للشريعة مرة أخرى يحتاج إلى تهيئة المجتمعات وتمهيدها؛ لهذه العودة، ولن يكون ذلك إلا بتربية الأفراد تربية إيمانية تجعل تطبيق الشريعة غير مستغرب، بل تجعل أفراد المجتمع يدركون أن من لوازم الشهادتين هو تطبيق شرع الله، يقول ابن القيم رحمه حول تهيئة الله للمسلمين قبل تحويل القبلة ومع ذلك كَبُرَ ذلك على نفوس البعض"لما كان أمر القبلة وشأنها عظيم بين الناس، وطَّأ سبحانه قبلها أمر النسخ وقدرته عليه، وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ثم عقب ذلك بالتوبيخ لمن تعنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقد له، ثم ذكر بعده اختلاف اليهود والنصارى؛ وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء، وحذر عباده المؤمنين من موافقتهم ... ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وأينما يولي عباده وجوههم؛ فثم وجه الله ... ثم أعلم رسوله أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم ... ثم ذكر خليله إبراهيم باني بيته الحرام، وأثنى عليه ومدحه، وأخبر أنه جعله إماما للناس يأتم به أهل الأرض .. ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له، وفي ضمن هذا أن باني البيت كما هو إمام للناس؛ فكذا البيت الذي بناه إمام لهم ... ثم ردَّ على من قال إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودا أو نصارى، وجعل هذا كله توطئة ومقدمة بين يدي تحويل القبلة ,ومع هذا كله فقد كَبُر ذلك على الناس"