فهرس الكتاب
بتسخير الله لهذا الملك كله لهذا الإنسان وهو الذي يخطى ء عقله ويصيب , وتعثر قدمه وتستقيم على الطريق!
ونقف أمام عظمة العدل الذي يرتب للناس حجة على الله - سبحانه - لو لم يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين. هذا مع احتشاد كتاب الكون المفتوح , وكتاب النفس المكنون بالآيات الشواهد على الخالق , ووحدانيته , وتدبيره وتقديره , وقدرته وعلمه. . ومع امتلاء الفطرة بالأشواق والهواتف إلى الاتصال ببارئها والإذعان له , والتناسق والتجاوب والتجاذب بينها وبين دلائل وجود الخالق في الكون والنفس. . ومع هبة العقل الذي يملك أن يحصي الشواهد ويستنبط النتائج. . ولكن الله - سبحانه - بما يعلم من عوامل الضعف التي تطرأ على هذه القوى كلها , فتعطلها , أو تفسدها , أو تطمسها , أو تدخل في حكمها الخطأ والشطط ,قد أعفى الناس من حجية الكون , وحجية الفطرة , وحجية العقل , ما لم يرسل أليهم الرسل ليستنقذوا هذه الأجهزة كلها مما قد يرين عليها , وليضبطوا بموازين الحق الإلهي الممثل في الرسالة , هذه الأجهزة , فتصح أحكامها حين تستقيم على ضوابط المنهج الإلهي. . وعندئذ فقط يلزمها الإقرار والطاعة والإتباع ; أو تسقط حجتها وتستحق العقاب. .
ونقف أمام عظمة الرعاية والفضل والرحمة والبر بهذا المخلوق الذي يكرمه الله ويختاره , على ما يعلم به من ضعف ونقص ; فيكل إليه هذا الملك العريض. . خلافة الأرض. . وهو بالقياس إليه ملك عريض! وإن كان في ملك الله ذرة تمسكها يد الله فلا تضيع في ملكه الكبير!
ثم تشاء رعايته وفضله ورحمته وبره , ألا تدعه لما أودع في كينونته من فطرة هادية ولكنها تطمس ; ومن عقل هاد ولكنه يضل ; بل يتفضل عليه ربه فيرسل إليه الرسل تترى. . وهو يكذب ويعاند ; ويشرد وينأى ; فلا يأخذه ربه بأخطائه وخطاياه ; ولا يحبس عنه بره وعطاياه , ولا يحرمه هداه على أيدي رسله الهداة. . ثم لا يأخذه بالعقاب في الدنيا أو في الآخرة حتى تبلغه الرسل ; فيعرض ويكفر , ويموت وهو كافر لا يتوب ولا ينيب. .
ومن عجب أن يأتي على هذا الإنسان زمان يزعم لنفسه أنه استغنى عن ربه. . استغنى عن رعايته وفضله ورحمته وبره. . استغنى عن هدايته ودينه ورسله. . استغنى بالأداة التي علم ربه أنها لا تغنيه - ما لم تقوم بمنهج الله - فلم يكتب عليه عقابا إلا بعد الرسالة والبيان. . فيتمثل لنا الطفل الذي يحس ببعض القوة في ساقيه فيروح يبعد عنه اليد التي تسنده , ليتكفأ ويتعثر! غير أن الطفل في هذا المثال أرشد وأطوع للفطرة. إذ أنه بمحاولة الاستقلال عن اليد التي تسنده يجيب داعي الفطرة في استحثاث طاقات كامنة في كيانه ; وإنماء قدرات ممكنة النماء ; وتدريب عضلات وأعصاب تنمو وتقوى بالتدريب. . أما إنسان اليوم الذي يبعد عنه يد الله , ويتنكب هداه , فإن كينونته - بكل ما يكمن فيها من قوى - يعلم الله أنها لا تشتمل على قوة مكنونة تملك الاستغناء عن يد الله وهداه. وقصارى ما في قواه أنها ترشد وتضبط وتستقيم برسالة الله. وتضل وتختل وتضطرب إذا هي استقلت بنفسها , وتنكبت هداه!
وخطأ وضلال - إن لم يكن هو الخداع والتضليل - كل زعم يقول: إن العقول الكبيرة كانت حرية أن تبلغ بدون الرسالة ما بلغته بالرسالة. . فالعقل ينضبط - مع الرسالة - بمنهج النظر الصحيح ; فإذا أخطأ بعد ذلك في التطبيق كان خطؤه كخطأ الساعة التي تضبط , ثم تغلبها عوامل الجو والمؤثرات , وطبيعة معدنها الذي يتأثر بهذه المؤثرات , لا كخطأ الساعة التي لم تضبط أصلا , وتركت للفوضى والمصادفة! وشتان شتان!
وآية أن ما يتم بالرسالة - عن طريق العقل نفسه - لا يمكن أن يتم بغيرها ; فلا يغني العقل البشري عنها. . أن تاريخ البشرية لم يسجل أن عقلا واحدا من العقول الكبيرة النادرة اهتدى إلى مثل ما