الصفحة 73 من 230

اهتدت إليه العقول العادية المتوسطة بالرسالة. . لا في تصور اعتقادي ; ولا في خلق نفسي , ولا في نظام حياة , ولا في تشريع واحد لهذا النظام. .

إن عقول أفلاطون وأرسطو من العقول الكبيرة قطعا. . بل إنهم ليقولون: إن عقل أرسطو هو أكبر عقل عرفته البشرية - بعيدا عن رسالة الله وهداه - فإذا نحن راجعنا تصوره لإلهه - كما وصفه - رأينا المسافة الهائلة التي تفصله عن تصور المسلم العادي لإلهه مهتديا بهدى الرسالة.

وقد وصل اخناتون - في مصر القديمة - إلى عقيدة التوحيد - وحتى مع استبعاد تأثره في هذا بإشعاع عقيدة التوحيد في رسالة إبراهيم ورسالة يوسف - فإن الفجوات والأساطير التي في عقيدة اخناتون تجعل المسافة بينها وبين توحيد المسلم العادي لإلهه بعيدة بعيدة.

وفي الخلق نجد في الفترة التي هيمن فيها الإسلام في صدر الإسلام نماذج للأوساط ممن رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم, لا تتطاول إليها أعناق الأفذاذ على مدار التاريخ ممن لم تخرجهم رسالة سماوية.

وفي المبادئ والنظم والتشريعات لا نجد أبدا ذلك التناسق والتوازن , مع السمو والرفعة التي نجدها في نظام الإسلام ومبادئه وتشريعاته. ولا نجد أبدا ذلك المجتمع الذي أنشأه الإسلام يتكرر لا في زمانه ولا قبل زمانه ولا بعد زمانه في أرض أخرى , بتوازنه وتناسقه ويسر حياته وتناغمها. .

إنه ليس المستوى الحضاري المادي هو الذي يكون عليه الحكم. فالحضارة المادية تنمو بنمو وسائلها التي ينشئها"العلم"الصاعد. . ولكن ميزان الحياة في فترة من الفترات هو التناسق والتوازن بين جميع أجزائها وأجهزتها وأوضاعها. . هو التوازن الذي ينشى ء السعادة والطمأنينة , والذي يطلق الطاقات الإنسانية كلها لتعمل دون كبت ودون مغالاة في جانب من جوانبها الكثيرة. . والفترة التي عاشت بالإسلام كاملا لم تبلغها البشرية - بعيدا عن الرسالة - في أي عصر. . والخلخلة وعدم الاتزان هو الطابع الدائم للحياة في غير ظل الإسلام ; مهما التمعت بعض الجوانب ; ومهما تضخمت بعض الجوانب. فإنما تلتمع لتنطفئ جوانب أخرى. وإنما تتضخم على حساب الجوانب الأخرى. . والبشرية معها تتأرجح وتحتار وتشقى.

لنمضي بعدها مع السياق القرآني:

لكن الله يشهد بما أنزل إليك. أنزله بعلمه. والملائكة يشهدون. وكفى بالله شهيدًا.

فإذا أنكر أهل الكتاب هذه الرسالة الأخيرة - وهي جارية على سنة الله في إرسال الرسل لعباده (مبشرين ومنذرين , لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وأهل الكتاب يعترفون بالرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم اليهود يعترفون بمن قبل عيسى - عليه السلام - والنصارى يعترفون بهم , وبعيسى الذي ألهوه كما سيجيء. . فإذا أنكروا رسالتك - يا محمد - فلا عليك منهم. فلينكروا:

لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه. والملائكة يشهدون. وكفى بالله شهيدًا. .

وفي هذا الشهادة من الله. . ثم من ملائكته ومنهم من حملها إلى رسوله. . إسقاط لكل ما يقوله أهل الكتاب. فمن هم والله يشهد ? والملائكة تشهد ? وشهادة الله وحدها فيها الكفاية ?!

وفي هذه الشهادة تسرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وما يلقاه من كيد اليهود وعنتهم.

وفيها كذلك تصديق وتثبيت وتطمين للمسلمين - في أول عهدهم بالإسلام بالمدينة - أمام حملة يهود التي يدل على ضخامتها هذه الحملة القرآنية المنوعة الأساليب والإيحاءات في ردها والقضاء عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت