فهرس الكتاب
وقد عاب إبراهيم عليه السلام على قومه في العراق شركهم بالله وعبادتهم الأصنام, وجادل أباه وقومه في ذلك, ثم أراد أن يلفت أنظارهم إلى باطل ما هم عليه من عبادة غير الله بما جاء به من حجج مقنعة وقوية وقيامه بتكسيره أصامهم إلا كبيرهم, ولكن لم يرجعوا عن كفرهم وضلالهم, وإنما قرروا قتله بإلقائه في النار.
إلى أن جاءت معجزة خروجه من النار ونجاته منها. وكان قد جادل قومه عن شركهم
(قال: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ? أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ?!)
وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدر , وغيظ النفس , والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف.
عند ذلك أخذتهم العزة بالإثم كما تأخذ الطغاة دائما حين يفقدون الحجة ويعوزهم الدليل , فيلجأون إلى القوة الغاشمة والعذاب الغليظ:
(قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) . .
فيالها من آلهة ينصرها عبادها , وهي لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ; ولا تحاول لها ولا لعبادها نصرا!
(قالوا: حرقوه) ولكن كلمة أخرى قد قيلت. . فأبطلت كل قول , وأحبطت كل كيد. ذلك أنها الكلمة العليا التي لا ترد:
(قلنا: يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) . .
فكانت بردا وسلاما على إبراهيم. .
كيف ?
ولماذا نسأل عن هذه وحدها. و (كوني) هذه هي الكلمة التي تكون بها أكوان , وتنشأ بها عوالم , وتخلق بها نواميس: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون) .
فلا نسأل: كيف لم تحرق النار إبراهيم , والمشهود المعروف أن النار تحرق الأجسام الحية ? فالذي قال للنار: كوني حارقة. هو الذي قال لها: كوني بردا وسلاما. وهي الكلمة الواحدة التي تنشيء مدلولها عند قولها كيفما كان هذا المدلول. مألوفا للبشر أو غير مألوف.
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)
إن الذين يقيسون أعمال الله سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون: كيف كان هذا ? وكيف أمكن أن يكون ? فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين , واختلاف الأداتين , فإنهم لا يسألون أصلا , ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلا. علميا أو غير علمي. فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلا. ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر. وكل منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه , لأن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود.
إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان , لأن صانعه يملك أن يكون. أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام ? وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار. . فذلك ما سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود. وليس لنا سوى النص القرآني من دليل.