فهرس الكتاب
وورث سليمان أباه داود في النبوة والعلم والملك, وقال سليمان لقومه: يا أيها الناس عُلِّمنا وفُهِّمنا كلام الطير, وأُعطينا مِن كل شيء تدعو إليه الحاجة, إن هذا الذي أعطانا الله تعالى إياه لهو الفضل الواضح الذي يُمَيِّزنا على مَن سوانا.
{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} النمل17
وجُمِع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسيرة لهم, فهم على كثرتهم لم يكونوا مهمَلين, بل كان على كل جنس من يَرُدُّ أولهم على آخرهم; كي يقفوا جميعًا منتظمين.
{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} النمل18
حتى إذا بلغوا وادي النمل قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يهلكنَّكم سليمان وجنوده, وهم لا يعلمون بذلك.
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} النمل19
فتبسم ضاحكًا من قول هذه النملة لفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل, واستشعر نعمة الله عليه, فتوجَّه إليه داعيًا: ربِّ ألْهِمْني, ووفقني, أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ, وأن أعمل عملا صالحًا ترضاه مني, وأدخلني برحمتك في نعيم جنتك مع عبادك الصالحين الذين ارتضيت أعمالهم.
{فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} النمل36
فلمَّا جاء رسول الملكة بالهديَّة إلى سليمان, قال مستنكرًا ذلك متحدثًا بأَنْعُمِ الله عليه: أتمدونني بمالٍ تَرْضيةً لي؟ فما أعطاني الله من النبوة والملك والأموال الكثيرة خير وأفضل مما أعطاكم، بل أنتم الذين تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم; لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها.
وهذا نبي الله سليمان المعجزة المتحركة على الأرض إعجاز في الحياة وفى الممات سبحان الله.
من المعلوم أن سليمان ممن ملكوا الأرض وبالتوحيد عمرها فهل تخيلت جيش سليمان عليه السلام؟ جواسيسه الجن ومدرعاته الفيلة الأُسد من جنده النمور من كتائبه الريح من آلات حصاره الأرض بجميع مخلوقاتها تحارب مع سليمان لنشر رآية التوحيد في أرض الله ... نبينا خيره الله تعالى هل يكون لك يا محمد ملكُ سليمان؟
فتواضع الحبيب واختار أن يكون مسكينًا
اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين
نبي الله سليمان عاش حياته مجاهدًا منافحًا عن دين التوحيد
فكانت جميع الأرض في حكمه تدين بلا إله إلا الله
وقضى سليمان سنواته الباقية من حياته يقود رعيته بالعدل, ويتقرّب إلى ربه بالعبادة, وقد اختار لعبادته مكانا ببيت المقدس, لا يجرؤ أحد على الدنو منه ما دام هو قائم يصلي في المحراب.
فلما علم أنه حان حينه, وانتهى أجله, توكأ على عصاه, وخرج إلى المسجد الأقصى, فدخل المحراب, واتجه إلى الله مرتكزا على عصاه, فقبضه ملك الموت, وظل جثمانه واقفا تسنده العصا أياما, والناس والجن لا يدرون بموته, ولا يجرؤون على الاقتراب منه في محرابه, حتى تآكلت العصا, لقد أكلتها حشرة الأرض, فانكسرت العصا, ووقع الجثمان على الأرض فشاع الخبر, وشيّعته بنو إسرائيل إلى مثواه, وعادوا من قبره يرددون: سبحانك اللهم! تؤتي الملك من تشاء, وتنزع الملك ممن تشاء.