الصفحة 95 من 230

فما كان منه إلا أن أخذها إلى مكان خال بجوار نخلة يمر من تحتها جدول صغير من الماء.

كانت مريم العذراء وحيدة هناك بجوار النخلة, إنها نخلة معمّرة, وأمامها جدول صغير من الماء العذب يسري ماؤه, فقاست مريم حرارة الوحدة وقت الولادة, وأجاءها المخاض إلى جذع النخلة, فوضعت ابنها البكر, وقامت إلى الجدول وغسلته وقمّطته, ثم اتجهت به إلى الكهف, وفي هذا المكان الهادئ نام المسيح نومته الأولى, ودخل إلى العالم بهذه الصورة المتواضعة كما يدخل أي مولود عادي من عامة الناس, وقد استقبلته السماء بمظاهر الترحيب والبشر, فشع نور على مهد هذا الوليد المبارك, وكانت أمه بعد هذا المجهود الشاق قد استسلمت لضعف ألمّ بها, فرأت مظاهر الحفاوة والتكريم لهذا المولود, وسمعت ترتيل الملائكة الذين جاؤوا يحفون بالمولود الجديد, يسبّحون ويهللون ويهتفون بالتحية لمولده, وشاهدت هذا النور الذي انبثق من السماء إلى الأرض, يعلن لملايين البشر فجر الخلاص من الظلم والاستبداد, وظلام الجهل والضلال.

أفاقت مريم من ضعفها, وعاد إليها نشاطها, فإذا طفلها ينظر إليها نظرة العطف والتساؤل, وإذا قلبها مفعم بالذكريات الأليمة, والصور البشعة, وإذا هي نهب للتفكير في ساعة لقاء أهلها وذويها.

كيف ترد على التهم التي ستنهال عليها؟! ظلت تفكّر في ذلك كثيرا, فانتابها موجة من الضيق, ونكست رأسها تحاول إبعاد هذه الوساوس عنها. قالت: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيّا} يا الهي؛ أنت عليم بحالي فألهمني الرشاد, وخلصني مما أقاسيه.

كانت مريم حقا في حيرة شديدة, لا تستطيع البقاء بمولودها في هذا المكان بدون طعام, ولا تستطيع أن تعود به إلى ذويها في الناصرة, ولا إلى أقربائها في بيت لحم, فيرموها بالسوء, ويقذفوها بالتهم أشكالا وألوانا.

أظلمت الدنيا في عينها, وساءت الحياة أمامهما, وبينما هي في غمرة من ذلك سمعت صوتا يناديها: يا مريم, لاتحزني!! قد جعل ربك تحتك ماء سريّا وهزي إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي من الرطب, واشربي من الماء, وتوكلي بعد ذلك على الله فهو نعم المولى, ونعم النصير.

سمعا مريم هذا النداء السماوي يتردد على أذنها, فكان بردا وسلاما على قلبها, أعاد إليها الأمن والثقة, وأذهب عنها الخوف والاضطراب فقامت مريم إلى الجدول وشربت, وهزت بجذع النخلة وجمعت ما وقع منها من رطب, ثم أقبلت على الطفل وأشرق وجهها بمحياه, فانزاح عنها الكابوس الثقيل, وكانت قد سمعت حديث الناس حول ظهور النجم الأكبر, وتساؤلهم عن آيات ظهور المسيح المنتظر الذي بشرت به التوراة.

وبينما هي كذلك جاء يوسف النجار إليها في لهفة وحسرة, فوجدها في أتم صحة, تغسل الخرق, وتنشرها على أشعة الشمس, وقد حماها الله من كل سوء, فلما نظر إليها يستفسر عن حالها أشارت إلى المولود, فأسرع يوسف إليه, ووقف برهة يتأمل ذلك الوجه المشرق الجميل, ونحن نتصور ما يجول في رأس هذا الرجل المؤمن من الأفكار, بعدما رأى من آيات الله, وما سمع من حديث القوم, فنعرف السر فيما فعله بعد ذلك, حينما وهب كل وقته, وبذل كل جهده لرعاية هذا الوليد الخارق لناموس الحياة وأمه السيّدة العذراء.

ونتصوره أيضا يعود إلى مريم, وقد نكّس رأسه هيبة وإجلالا ليسألها عملا يؤديه, أو خدمة يقدمها.

حقا!؟ إن يوسف النجار كان رجلا صالحا تقيا نبيلا, كشف الله عن بصيرته, وألهمه الحقيقة والصواب.

ونحن نتصور مريم تقضي مدة النفاس في هذا المكان الخلائي الهادئ, فنجدها هانئة به, وقد راضت نفسها على الإقامة فيه, وكان يوسف النجار يذرع الأرض كل يوم ويقطع طريقها بين الكهف الذي ولد فيه المسيح وبين القدس, حيث يقضي حوائجها, ويشتري لها الخبز والطعام, فإذا عاد من المدينة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت