الصفحة 96 من 230

وجد تمرا كثيرا, جاءت به هذه النخلة التي شبّ عمرها, واخضرّت أوراقها, بعد أن أصابها الكبر ونخرها السوس.

انتهت مدة نفاس مريم العذراء, وحان موعد الرحيل إلى المدينة, فعاود مريم القلق, وانتابها الوسواس من جديد.

كان يوسف يحزم الأمتعة استعدادا للرحيل, ومريم غارقة في همومها ودعائها تطلب العون من الله, فسمعت هاتفا يهتف بها: يا مريم؛ صومي اليوم عن الكلام, فلا تكلمي أحد من الناس, والله يتولاك برعايته.

كان الهاتف بهذا الأمر هو جبريل عليه السلام, فصدعت للأمر, ونذرت الصوم قالت:

{إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيّا} , مريم 26.

ولما فرغ يوسف النجار من حزم الأمتعة, حملها على دابته ثم نظر إلى مريم, ودعاها للركوب, فركبت دون أن تحرك شفتيها بكلمة واحدة.

اتجهت مريم بالطفل إلى جبال حبرون, وجاءت به إلى قومها تحمله, قالوا: يا مريم؛ لقد جئت شيئا فريّا, وأمرا منكرا!؟

سكتت مريم ولم تقل شيئا للدفاع عن نفسها, فأيقنوا أنها ارتكبت خطيئة, وقالوا:

{يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيّا} مريم 28.

تكلمي يا مريم ودافعي عن نفسك. كيف جئت بهذا الغلام؟!

كانت مريم صائمة لا تستطيع الكلام, فلما ألحوا عليها وكثر كلامهم وسؤالهم لها, اتخذت قرارا صامتا أصابهم الدهشة الشديدة!!

كانت مريم صائمة عن الكلام, لا تستطيع الكلام, فلما ألحوا عليها وكثر سؤالهم لها: أشارت إلى الطفل ليكلموه, انه أمر عجيب, كيف تطلب مريم شيئا خارقا لم نعتد عليه, إنها تطلب معجزة, تريد أن يتكلم هذا الطفل الملفوف في قطعة من القماش.

قالوا في دهشة واستغراب: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} .

كيف نكلم هذا الطفل الذي يكفينا سماع صوت بكائه بصعوبة شديدة من ضعفه وطفولته المبكرة.

لقد ولد منذ أيام قليلة, فهل يعقل إنسان هذا الذي تريده مريم, إنها تريد المستحيل.

ولكن مريم كانت بحاجة إلى معجزة كي يصدقها الناس, إذ كيف يصدق الناس أن طفلا أنجب بغير أب, وفي هذا الأمر اتهام للعرض والشرف, حتى أنهم قالوا إن أمها كانت طاهرة شريفة وأبوها لم يكن يوما من الأيام سيء الخلق حتى تأتي هي بهذا الفعل المشين.

انصرفت مشيئة الله أن يكون الرد معجزة, لأن الإقناع في مثل هذه المواقف يحتاج إلى معجزات ومعجزات, والمعجزة والشيء الخارق هنا أن يعتدل الطفل في فراشه ويعرف الناس بنفسه ويدافع عن أمه وما أثير حولها من عبارات الشك والطعن في شرفها وعرضها.

تكلم عيسى المسيح عليه السلام, بعد أن قالوا: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} .

قال عيسى وهو ملفوف في رباط الأطفال وملفوف بخرق الفراش .. قال:

{إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا* وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا* وبرّا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيّا* والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا* ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} مريم 30 - 34.

وكان حديثه في المهد معجزة عظيمة.

آل عمران49

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت