الصفحة 97 من 230

ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل, ويقول لهم: إني قد جئتكم بعلامة من ربكم تدلُّ على أني مرسل من الله, وهي أني أصنع لكم من الطين مثل شكل الطير, فأنفخ فيه فيكون طيرًا حقيقيا بإذن الله, وأَشفي مَن وُلِد أعمى, ومَن به برص, وأُحيي من كان ميتًا بإذن الله, وأخبركم بما تأكلون وتدَّخرون في بيوتكم من طعامكم. إن في هذه الأمور العظيمة التي ليست في قدرة البشر لدليلا على أني نبي الله ورسوله, إن كنتم مصدِّقين حجج الله وآياته, مقرِّين بتوحيده.

{إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} المائدة110

إذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب, وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين, وبرأتها مما نُسِب إليها, ومن هذه النعم على عيسى أنه قوَّاه وأعانه بجبريل عليه السلام, يكلم الناس وهو رضيع, ويدعوهم إلى الله وهو كبير بما أوحاه الله إليه من التوحيد, ومنها أن الله تعالى علَّمه الكتابة والخط بدون معلم, ووهبه قوة الفهم والإدراك, وعَلَّمه التوراة التي أنزلها على موسى عليه السلام, والإنجيل الذي أنزل عليه هداية للناس, ومن هذه النعم أنه يصوِّر من الطين كهيئة الطير فينفخ في تلك الهيئة, فتكون طيرًا بإذن الله, ومنها أنه يشفي الذي وُلِد أعمى فيبصر, ويشفي الأبرص, فيعود جلده سليمًا بإذن الله, ومنها أنه يدعو الله أن يحييَ الموتى فيقومون من قبورهم أحياء, وذلك كله بإرادة الله تعالى وإذنه, وهي معجزات باهرة تؤيد نبوة عيسى عليه السلام, ثم يذكِّره الله جل وعلا نعمته عليه إذ منع بني إسرائيل حين همُّوا بقتله, وقد جاءهم بالمعجزات الواضحة الدالة على نبوته, فقال الذين كفروا منهم: إنَّ ما جاء به عيسى من البينات سحر ظاهر.

ويقول العلامة الأستاذ / سيد قطب رحمة الله تعالى عليه:

لقد شاء الله أن يبدأ الحياة البشرية بخلق آدم من تراب - وسواء كان قد جبله مباشرة من التراب أو جبل السلالة الأولى التي انتهت إليه من تراب , فإن هذا لا يقدم ولا يؤخر في طبيعة السر الذي لا يعلمه إلا الله. سر الحياة التي لابست أول مخلوق حي , أو لابست آدم إن كان خلقه مباشرة من التراب الميت! وهذه كتلك في صنع الله. وليست واحدة منهما بأولى من الأخرى في الوجود والكينونة. . . .

من أين جاءت هذه الحياة ? وكيف جاءت ? إنها قطعا شيء آخر غير التراب وغير سائر المواد الميتة في هذه الأرض. . شيء زائد. وشيء مغاير. وشيء ينشاء آثارا وظواهر لا توجد أبدا في التراب ولا في مادة ميتة على الإطلاق. .

هذا السر من أين جاء ? إنه لا يكفي أننا لا نعلم لكي ننكر أو نعذر! كما يفعل الماديون في لجاجة صغيرة لا يحترمها عاقل فضلا عن عالم!

نحن لا نعلم. وقد ذهبت سدى جميع المحاولات التي بذلناها - نحن البشر - بوسائلنا المادية لمعرفة مصدرها. أو لإنشائها بأيدينا من الموات!

نحن لا نعلم. . ولكن الله الذي وهب الحياة يعلم. . وهو يقول لنا: إنها نفخة من روحه. وإن الأمر قد تم بكلمة منه. (كن. فيكون) . .

ما هي هذه النفخة ? وكيف تنفخ في الموات فينشأ فيه هذا السر اللطيف الخافي على الأفهام ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت