ومعلوم بالنقل المتواتر: أن عبيد الله بن زياد كان هو أمير العراق حين مقتل الحسين, وقد ثبت بالنقل الصحيح: أنه هو الذي أرسل عمر بن سعد بن أبي وقاص مقدمًا على الطائفة التي قاتلت الحسين, وكان عمر قد امتنع من ذلك, فأرغبه ابن زياد وأرهبه حتى فعل ما فعل.
والمقصود هنا أن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له زمن يزيد. فكيف بنقله بعد زمن يزيد؟ وإنما الثابت هو نقله من كربلاء إلى أمير العراق عبيد الله بن زياد بالكوفة. والذي ذكر العلماء: أنه دفن بالمدينة.
الوجه الرابع: أنه لو قدر أنه حمل إلى يزيد, فأي غرض كان لهم في دفنه بعسقلان, وكانت إذ ذاك ثغرة يقيم به المرابطون؟ فإن كان قصدهم تعفية خبره فمثل عسقلان تظهره لكثرة من ينتابها للرباط. وإن كان قصدهم بركة البقعة فكيف يقصد هذا من يقال: إنه عدو له, مستحل لدمه, ساع في قتله؟
ثم من المعلوم: أن دفنه قريبًا عند أمه وأخيه بالبقيع أفضل له.
الوجه الخامس: أن دفنه بالبقيع هو الذي تشهد له عادة القوم. فإنهم كانوا في الفتن, إذا قتلوا الرجل -لم يكن منهم- سلموا رأسه وبدنه إلى أهله, كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه, ثم سلمه إلى أمه.
وقد علم أن سعي الحجاج في قتل ابن الزبير, وأن ما كان بينه وبينه من الحروب أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه. فإن ابن الزبير ادعى الخلافة بعد مقتل الحسين, وبايعه أكثر الناس, وحاربه يزيد حتى مات وجيشه محاربون له بعد وقعة الحرة.
ثم لما تولى عبد الملك غلبه على العراق مع الشام, ثم بعث إليه الحجاج بن يوسف, فحاصره الحصار المعروف, حتى قتل, ثم صلبه, ثم سلمه إلى أمه.