ومن المعلوم: أن الزبير بن بكار, صاحب كتاب (( الأنساب ) )ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات, ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطلاع, أعلم بهذا الباب, وأصدق فيما ينقلونه من الجاهلين والكذابين, ومن بعض أهل التواريخ الذين لا يوثق بعلمهم ولا صدقهم, بل قد يكون الرجل صادقًا, ولكن لا خبرة له بالأسانيد حتى يميز بين المقبول والمردود, أو يكون سيء الحفظ أو متهمًا بالكذب أو بالتزيد في الرواية, كحال كثير من الإخباريين والمؤرخين, لا سيما إذا كان مثل أبي مخنف لوط بن يحيى وأمثاله.
ومعلوم أن الواقدي نفسه خير عند الناس من مثل هشام بن الكلبي, وأبيه محمد بن السائب وأمثالهما, وقد علم كلام الناس في الواقدي, فإن ما يذكره هو وأمثاله إنما يُعتضد به, ويُستأنس به, وأما الاعتماد عليه بمجرده في العلم فهذا لا يصلح.
فإذا كان المعتمد عليهم يذكرون أن رأس الحسين دفن بالمدينة, وقد ذكر غيرهم أنه إما أن يكون قد عاد إلى البدن, فدفن معه بكربلاء, وإما أنه دفن بحلب, أو بدمشق أو نحو ذلك من الأقوال التي لا أصل لها, ولم يذكر أحد ممن يعتمد عليه أنه بعسقلان -علم أن ذلك باطل, إذ يمتنع أن يكون أهل العلم والصدق على الباطل, وأهل الجهل والكذب على الحق في الأمور النقلية, التي إنما تؤخذ عن أهل العلم والصدق, لا عن أهل الجهل والكذب.
الوجه الرابع: أن الذي ثبت في صحيح البخاري: أن الرأس حمل إلى قدام عبيد الله بن زياد, وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه بحضرة أنس بن مالك, وفي المسند: أن ذلك كان بحضرة يزيد بن معاوية. وهذا باطل. فإن أبا برزة, وأنس بن مالك كانا بالعراق, لم يكونا بالشام, ويزيد بن معاوية كان بالشام, لم يكن بالعراق حين مقتل الحسين, فمن نقل له نكت بالقضيب ثناياه بحضرة أنس وأبي برزة قدام يزيد فهو كاذب قطعًا, كذبًا معلومًا بالنقل المتواتر.