ولم تكن لذلك التوقف أسباب تتعلق بالوقفة التعبوية أو بإعادة التنظيم أو تجديد الزخم الهجومي الذي لم يكن في حاجة إلى المزيد من الإدامة أمام الانهيار الشامل للجيش التركي في العراق. ففي جزيرة «مردوز» في بحر إيجهة كانت ثمة مفاوضات تدور لاستسلام الجيش التركي. وفي أكثر من مكان كانت الإجتماعات السرية التي تتم بين دول «الوفاق الأوروبي» خلال الحرب العالمية الأولى، تسرع في توزيع غنائم المنهزمين الأتراك، كلما تأكدت لقادتهم بشائر النصر.
لكن البريطانيين دخلوا الموصل في نهاية الأمر على رغم هدنة بحر إيجه، وعلى رغم إنها كانت في الأساس تتبع فرنسا أي ضمن المنطقة (أ) كما نصت عليه معاهدة سايكس بيكو، وليس ضمن المنطقة (ب) أو المنطقة الحمراء كما اصطلح على مناطق الغنائم البريطانية - الفرنسية في المعاهدة.
غير ان الأمر لم يقف عند حدود الأبجدية الحروفية والتقسيمات اللونية لحل المشكلة فقد أرسلت عصبة الأمم المتحدة فريقًا خاصًا زار المناطق الواقعة بين الخطوط الحمراء والزرقاء ومكث طويلًا قبل أن يرفع تقريره الخاص بوجوب ضم الموصل الى العراق على أن يبقى الإنتداب البريطاني لخمسة وعشرين عامًا من تاريخ بدء الإحتلال.
ومن اللافت هنا ان العديد من مواطني الضفتين الزرقاء والحمراء آنذاك نقلوا للأجيال اللاحقة مأثورات شفاهية لا تخلو من دلالة عن طبيعة عمل فرق عصبة الأمم في ترسيم الحدود بين الجانبين، والتي كانت تعتمد في ما تعتمده: تقصي ثقافة الطبخ لدى التجمعات البشرية على الجانبين، فكانت تلحق المناطق التي يعتمد سكانها في شكل رئيس على القمح المجروش (البرغل) في المنطقة (أ) أي سورية، فيما تلحق المناطق التي تعتمد في غذائها على الرز في المنطقة (ب) أي العراق.