أي أننا بدلا من السير إلى الإمام نسير إلى الوراء بل ونصف هذا التدهور بالتطور ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما عن ظاهرة الحكم قبل المداولة فنراها بوضوح عندما ناقش الشيخ القرضاوي آراء المفكرين الذين انتقدوا ما ارتكبه بنو أمية من جرائم وبعد أن يعرض آراءهم منزوعة من أدلتها يلقي خطابا عاطفيا جياشا يتهمهم فيه بالغلو والغفلة والتقصير فضلا عن الذهول من دون أن يكلف خاطره بعرض ما يثبت وجهة نظره أو ينفي وجهة نظرهم ولا عجب فهو حفظه الله حامي حمى الحقيقة المطلقة ووكيل الله في الأرض (والحق أنني عندما قرأت كلام الأستاذ المودودي عن التاريخ الإسلامي قفّ شعري وارتعدت فرائصي وإني لأعجب كل العجب أن يغلو في حكمه هذا الغلو على فضله وسمو منزلته وعلو كعبه في سعة العلم وعمق الفكر وامتلاك حاسة النقد.. وهذا يدلنا على أن البشر يظلون بشرا وهم إن بلغوا من العلم والفضل ما بلغوا يعتريهم القصور وتخالطهم الغفلة والذهول ويغلبهم الخطأ شاءوا أم أبوا نتيجة الغلو أو التفريط ولا عصمة لأحد إلا للرسول المؤيد) ص 47.
الشيء الذي نستخلصه بعد هذه المداولة أن ذلك النمط الفكري الذي يتسيد فيه الساحة هؤلاء الشيوخ أصحاب الخطاب الفوقي الذي يلقي إلينا بأحكامه سابقة التجهيز والذي يربأ بنفسه عن مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل ويطرح آراءه دوما بصيغة القول الفصل مقدما لتلك الآراء المزاجية بتلك العبارات العاطفية مثل وقف شعر رأسي وارتعدت فرائصي وقل عرى صبري وهاجت صبابتي وهطلت دموعي حتى بلت لحيتي بعد أن قام بإخلاء الساحة من الباحثين المحققين وأخمد أصوات من تبقى منهم هو المسئول الأوحد عن مسيرة التدهور التطور المتواصل التي ننزلق إليها بسرعة البرق.