وفي هذا الفصل أيضًا يتناول المؤلف عددًا من كتب الأدب التي أساءت للتاريخ الإسلامي، فهي كانت تهتم بالأسلوب المشوق قبل أي اعتبار آخر، بل وفي سبيل"جمال العرض وحصافة الفكرة وركازة الأسلوب"لم يتوان كثير من الكتاب والأدباء عن اختراع القصص وتلفيق الأخبار، ومن الأمثلة على ذلك كتاب البخلاء للجاحظ، الذي لمز وعاب كثيرًا من علماء المسلمين بلا تورع، وكتاب"البيان والتبيين"للجاحظ أيضًا،فقد أورد فيه خطبًا كثيرة نسبها إلى أمير المؤمنين علي ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، والمراسلات المتبادلة بينهما، وفيها من البذاءة ما يتنزه عنه صغار الناس فضلًا عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويورد المؤلف عددًا آخر من كتب الأدب التي نهجت هذا النهج ـ وإن كانت تتفاوت مع ما كتبه الجاحظ ـ مثل العقد الفريد لابن عبد ربه، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، والمستطرف للإبشيهي، ومجالس ثعلب، ويقول:
"وكل هذه الكتب لا يجحد فضلها في مجال الأدب واللغة، ولكن من غير الإنصاف أن تصبح أخبارها مصادر للتاريخ الإسلامي يستمد منها بعض الكتاب ما يؤيدون به وجهة نظرهم".
وتحت عنوان"التزوير العلمي للتاريخ الإسلامي"يعقد المؤلف مبحثًا يؤكد فيه أن تدوين التاريخ إنما هو"تسجيل للوقائع والأحداث دون أن يمتد عقل الكاتب وفكره ومذهبه إلى هذه الأحداث"، وهذا ما يعرف ويسمى بالمذهب الموضوعي في كتابة التاريخ، وهو ما التزم به الكتّاب والمؤرخون القدامى.
ولكن في القرن التاسع عشر، ظهر اتجاه تزعمه فرويد يخول للمؤلف والكتاب أن يدخل عقيدته وفكره في التاريخ متعللًا أن من حقه تفسير الأحداث التاريخية، وتعليلها والحكم على أصحابها.
وقد اتبع هذا النهج بعض المفكرين الغربيين، وأكثر المفكرين الشيوعيين، لخدمة مذاهبهم، وبذلك حرّفوا أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي تحت ستار الأسلوب العلمي في تفسير التاريخ.