جُلت في بلاد الشيعة طولا وعرضًا سبعة أشهر وزيادة، وكنت أمكث في كل عواصمها أيامًا أو أسابيع، وأزور معابدها ومشاهدها ومدارسها، وأحضر محافلها وحفلاتها في العزاء والمآتم، وكنت أحضر حلقات الدروس في البيوت والمساجد وصحونها، والمدارس وحجراتها، وكنت أستمع ولا أتكلم بكلمة، وكنت أجول في شوارع العواصم وأحيائها، ودروب القرى وأزقتها، لأرى الناس في حركاتهم وسكناتهم على أحوالهم العادية وأعمالهم اليومية.
وكنت طول هذه المدة أرى أمورًا منكرة لا أعرفها، ثم أستفهمها ولا أجد جوابها، وأنكر شيء رأيته في بلاد الشيعة: أني لم أر طول هذه المدة في مسجد من مساجدها جماعة صلت صلاة الجمعة يوم الجمعة، إلا في"بوشهر"في رمضان، فقد حضرت في جامع، ورأيت طائفة من الناس صلت جمعة شيعية وخطب خطيبها خطبة شيعية.
ولم أزل أتعجب إلى اليوم: كيف أمكن أن أرى مذهبيا أو اجتهاد فرد أو رأى فقيه يرسخ متمكنا في قلوب أمة حتى تجمع على ترك نصوص الكتاب تركا كأنها تجتنب الحرام.. لم أر في يوم من أيام الجمعة في مسجد من المساجد أحدًا من خلق الله، ساعة الجمعة. وكنت قد أرى في سائر الأيام أفرادا أو جماعة تصلي صلاة الظهر، وتجمع صلاة العصر في مسجد من المساجد.
وكنت بكربلاء المقدسة والنجف الأشرف مرات، وأقمت بالنجف أيام المحرم، حتى رأيت كل ما تأتي به الشيعة أيام العزاء، ولهم يوم العاشوراء في الصحن حول قبر الإمام أمير المؤمنين"على"أشواط وأدوار في ألعاب رياضية يسمونها"التطيير"، وصوابها لفظا ومعنى واشتقاقا وأصلا هو"التبيير": كنت أقول كلما أراها: {إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} .