ويريد المؤلف في"محطاته"هذه أن ينبهنا إلى"الدعاوى الدينية والمذهبية التي جاء بها الفاطميون على أسنة الرماح، وفرضوها على الشعب بمقتضى حق الفتح الذي يعطي للدولة الغالبة سلطة تغيير الموروث الثقافي والاجتماعي. والمؤلف هنا يشير إلى ما نشره العبيديون الفاطميون من عقائد الشيعة الإسماعيلية في مصر السنيّة."
وعن الظروف التي ساعدت العبيديين في احتلال مصر، وفرض عقيدتهم، والآثار التي ترتبت على ذلك يقول بدوي:"وما كان للفاطميين أن ينجحوا في غلبة مصر لولا ضعف النظام الحاكم، وغفلة الشعب المحكوم، والفراغ الذي أتاح للعملاء والطابور الخامس أن يمهد الأرض للجيش القادم ليملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا... فامتلأت الأرض خللًا واضطرابًا وإلحادًا".
التفاريح والتباريح
ارتبط اسم الفاطميين في مصر بالاحتفالات والأعياد، فإليهم ترجع ظاهرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي، والإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وعلى حد تعبير المؤلف فإن الفاطميين جعلوا من هذه المناسبات"فرصة للتفاريح"و"خرجوا بها من المسجد إلى الشارع واصطنعوا لكل مناسبة نوعًا خاصًا من الحلوى...".
لكن ما يلفت المؤلف إليه هنا إلى أن الفاطميين لم يكونوا أهل فرح ومرح ولهو، أو دولة"تفاريح"كما يتبادر إلى الذهن، فالمعز لدين الله كان رجل دولة من الطراز الأول، واستطاع تأسيس إمبراطورية مترامية الأطراف، لكنها"جعلت من التفاريح ستارًا يخفي حقيقة أمرها، ويغطي مراميها وأهدافها البعيدة".
إن الذي أراده الفاطميون من خلال إغراق المصريين بالاحتفالات هو أن ينصرفوا عن البحث في طبيعة النظام الجديد وأهدافه ومراميه، خاصة وأن هذه الدولة كانت ثمرة دعوة سرية يحيط بها الغموض، وكان أول حكامها عبيد الله المهدي شخصية غامضة اضطربت الأقوال في صحة انتسابه إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.