ومن جملة الذين اهتم ابن تيمية ببيان بدعتهم: الصوفية، الذين كان لهم في زمنه الانتشار اللافت، كما هو الحال اليوم، إضافة إلى علاقاتهم الوطيدة ببعض السلاطين والأمراء. وما نشير إليه في هذا العدد، ليس مؤلفًا كتبه ابن تيمية في بيان عقائد الصوفية وانحرافها، إنما"مناظرة"حيّة دعا إليها شيخ الإسلام زعماء الطريقة الرفاعية في زمنه، المعروفين بالبطائحية، ثم دوّن شيخ الإسلام رحمه الله ما جرى بينه وبين الرفاعية، نصحًا للأمة وبيانًا لباطل هؤلاء الذين دأبوا على تحدي الناس بالدخول إلى النار، واللعب بالحيّات زعمًا أن هذا من كراماتهم.
والمناظرة التي دوّنها شيخ الإسلام رحمه الله في نحو عشرين صفحة، ونشرت بعد ذلك في كتابه"الفتاوى"جرت في التاسع من جمادى الأولى سنة 705هـ، في عهد السلطان المملوكي، الناصر محمد بن قلاوون، ذلك أن الإمام ابن تيمية رأى افتتان الناس ـ فضلًا عن بعض الأمراء ـ بالرفاعية الذين زعموا أن الله ألان لهم الحديد، وأزال لهم فاعلية السموم والنيران، وأخضع لهم طغاة الجن، فتحداهم وبين لهم ما يدعونه كذب ودجل، وليس من الولاية في شيء.
أما الذي دعا ابن تيمية إلى كتابة أمر هذه المناظرة، ، هو ما حظيت به من اهتمام آنذاك، وحرص الذين لم يشهدوها على معرفة تفاصيلها و"لِما حصل بها من عز الدين، وظهور كلمته العليا، وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين".