يسهر الشيخ محمد علي الحموزي، وكيل مرجعية النجف وهو الوحيد يعتمر العمامة بمنطقتنا، طوال الليل بدائرة البريد والبرق والهاتف منتظرًا إشارة من النجف، فرؤية الهلال لا تكفي الشيخ لإعلان العيد. أما العائلة الدينية الأخرى وهم آل شيخ لطيف فرغم تاريخهم في إحياء المجالس الحسينية، وقيادة الموكب الحسيني إلى كربلاء، وتغسيل وتكفين الموتى وإبرام عقود الزواج غير الرسمية، وكتابة التعاويذ إلا أنهم لا يتدخلون في تحديد الصيام أو الإفطار ولا يحق لهم البت بأمور شرعية، ولا يحق لهم التعمم فاكتفوا بالعقال والكوفية، ذلك لأن صلتهم بالنجف تكاد تكون معدومة، فهم فقهاء المجلس الحسيني بالوراثة لا بالدراسة.
تستدعي هذه الحال التأمل في صلة منطقتنا ومناطق الشيعة العراقية الأخرى بالدولة، التي أشار الاختلاف في إعلان العيد إلى سنيتّها، وما يترتب على ذلك من موقف منها ومن دوائرها بين ربوعنا الشيعية، منها تحديها بشعور له خلفيته التاريخية.
كانت هذه الممارسة دليلًا صارخًا أمام جيلنا على تعقيد الحالة المذهبية بالعراق، وكشف خصومتنا، الظاهرة المخفية، مع الدولة، يتبع ذلك ممارسات غير مفسرة لطفولتنا، منها: ثأرنا لفاطمة الزهراء بإقامة مشاهد ساخرة من الخليفة عمر بن الخطاب، في يوم معروف عندنا، وربما عند الشيعة كافة، بفرحة الزهراء، أو حسب تسميتنا له"فرحة الزهراء".
كان عبد الأمير جعاز، وهو أكبرنا سنًا، يلبس طربوشًا ملونًا وثيابًا فضفاضة ومزركشة، تعرف بثياب الشهارة، ويلصق بوجهه قطنًا، نسير خلفه ونردد عبارة مهينة وساخرة هي:"يعمير (تصغير عمر) هيته هيته...". كانت هذه الممارسة مقتصرة على الصبيان، بينما يشير سكوت الكبار إلى الموافقة المستترة على التنكيل بشخصية عمر، فلا بد أنهم لعبوا هذا الدور في صباهم.