يذهب معظم الذين أرّخوا للحداثة الغربية أو الأوروبية، إلى أن تاريخها يبدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر، على يد الشاعر الفرنسي شارل بودلير ( ) ، صاحب ديوان أزهار الشر، الذي يعتبره الحداثيون"نبي الحداثة".
ولمعرفة شخصية هذا الشاعر، نورد ما ذكره عنه مصطفى السحرتي، في مقدمة ترجمة ديوانه"أزهار الشر"، إذا يقول عن بودلير:"لقد كانت مراحل حياته منذ الطفولة نموذجًا للضياع والشذوذ، ثم بعد نيل الثانوية قضى فترة في الحي اللاتيني، حيث عاش عيشة فسوق وانحلال، وهناك أصيب بداء الزهري، وعاش في شبابه عيشة تبذل وعلاقات شاذة مع مومسات باريس، ولاذ في المرحلة الأخيرة من حياته بالمخدرات والشراب" ( ) .
ومن رواد الحداثة الغربيين بعد بودلير، الشاعر الفرنسي آرتور رامبو، وعلى آثاره كان مالارميه وبول فاليري، ووصلت الحداثة في الغرب إلى شكلها النهائي على يد الأمريكي اليهودي عزرا باوند، والإنجليزي توماس إليوت،... ثم واصلت الحداثة رحلتها حين قادها مجموعة من الشيوعيين، مثل: نيرودا، ولوركا، وأراجون، وناظم حكمت، ويفتشنكو، أو من الوجوديين مثل: بول سارتر، وعشيقته سيمون دو بوفوار، وألبير كامو ( ) .
وبالرغم من أن الحداثة في الغرب بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلاّ أن هذا لا يعني أنها ظهرت من فراغ ( ) ، بل إنها تظل إفرازًا طبيعيًا من إفرازات الفكر الإلحادي المتمرد على الدين، والذي نشأ بعد ظهور الرأسمالية والعلمانية، في بداية ما يسمى عصر النهضة في القرن الخامس عشر الميلادي، حين انفصلت المجتمعات الأوروبية عن الكنيسة، وثارت على سلطتها الروحية، ونشأت النزعات التحريرية والقومية بدون أي ضابط، إلاّ العمل على الكسب المادي المبني على الفكر المادي الإلحادي ( ) .