كما أن تأثير صلاح الدين في إحياء مذهب أهل السنة، وصل إلى بغداد نفسها عاصمة الخلافة العباسية، فنجد خلال الفترة التي حكم بها أن الخلافة العباسية بفضله، قد نُفخت فيها روح جديدة، فأكسبتها نشاطًا وقوة لم تألفها منذ فترة طويلة ترجع إلى وفاة الخليفة المعتصم (ت: 227هـ/ 842م) ، حيث أصبح وجود الخلافة وجودًا حقيقيًا، بعد أن كان صوريًا، وصار للخليفة هيبة، ومارس صلاحياته الدستورية بشكل فعّال.
وأصبح بمقدور الخليفة أن يعزل أكبر المتنفذين في القصر من وزراء وكتاب ديوان وغيرهم، يدل على ذلك أن الخليفة المستضيء بنور الله، استطاع أن يتخلص من قطب الدين قايماز (ت: 570هـ/1174م) ( ) ، وفي العام الذي يليه تمكن من عزل عماد الدين صندل المقتفوي عن الإستادارية، وولى مكانه ابن الصاحب هبة الله بن علي ( ) .
وأخر خليفة عاصره صلاح الدين، هو الناصر لدين الله (ت:622هـ/1225م) الذي خلف المستضيء، كان أيضًا يتمتع بشخصية قوية. كانت هل هيبة وكانت سيطرته على الأمور أكثر من سابقه يقول فيه السيوطي: كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، فكان يرهبه أهل الأقطار، فأحيا بهيبته الخلافة... ( ) ، وبلغ من تمكنه من السلطة، أن أمر بقتل مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب (ت: 583هـ/ 1187م) ، وهو أستاذ دار الخلافة الذي كان متحكمًا في أمور الدول ( ) .
وكان أمرًا طبيعيًا، أن يرافق ازدياد قوة الخلافة، ازدياد قوة المذهب الذي تعتقده وتتبناه وهو المذهب السني، وأن يضعف المذهب المنافس لمذهبها، هو المذهب الشيعي.
ففي عهد الخليفتين السابقين اللذين عاصرهما صلاح الدين، نجد انحسارًا ملحوظًا للمد الشيعي، يدل على ذلك قول الذهبي (ت: 784هـ/1347م) "وفي أيامه ـ المستضيء بنور الله ـ اختفى الرفض ببغداد ووهى، وأما بمصر والشام فتلاشى" ( ) ، كما أنه في عهد الناصر لدين الله، تعرّض الشيعة لمضايقات كثيرة، فضعفت شوكتهم، وقوي نفوذ المذهب السني ( ) .