لأكثر من ثلاثة عقود ، نجحت سوريا في إدارة الأزمة اللبنانية دون حلها ، وأمكن لها أن ترسي قاعدة نفوذ سياسي ، أمني وعسكري في هذا البلد ، مكنتها من استخدامه كورقة تفاوض إقليمية بالغة الأهمية. ولأكثر من ثلاثة أعوام ، نجحت إيران في إدارة الأزمة العراقية ، دون وعد بحلها ، بل ودون قدرة على حلها حتى وإن توفرت الرغبة ، علما بأن المراقب للأداء الإيراني في العراق ، لن يجد صعوبة في إدراك حقيقة أن ليس لإيران مصلحة في حل هذه الأزمة ، فمصلحتها تكمن في وضع هذا الملف في آخر قائمة المفاوضات والصفقات مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ، لا لشيء إلا لأن العراق تحول إلى خاصرة الولايات المتحدة الضعيفة ، ويدها المكسورة.
احتاج لبنان ثلاثين عاما لكي يتحول من ورقة سوريا القوية إلى خاصرتها الضعيفة ، ونقطة التحول الأساسية بدأت في الخامس والعشرين من أيار ـ مايو عام 2000 ، عندما قرر إيهود باراك ، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ، الانسحاب من جانب واحد من جنوب لبنان ، وقد يحتاج العراق لسنوات عدة ، لا نعلم عددها ، لكي يتحول بدوره من ورقة قوة أساسية في يد طهران ، إلى خاصرة ضعيفة أو شوكة في حلق دورها الإقليمي المحوري.
ما جرى في البصرة يؤذن بأن احتمالا كهذا ليس مستحيلا ، وإن كان ينقصه الوقت والقوى المحركة ، فالانشقاق في التيار الشيعي بين عروبيين وإيرانيين لم يظهر على هذا النحو الواضح إلا بعد أن نزل تيار آية الله البغدادي إلى الشارع ، مستنكرا الهيمنة الإيرانية على البصرة والجنوب ، منددا بتدخل طهران في شؤون العراق الداخلية ، وعلى خط مماثل ، وإن بدرجة أقل من الحدة والوضوح ، يندرج تحرك التيار الصدري ، الذي ينتمي في مجمله إلى عروبة العراق ، وهو التيار الأكثر نفوذا وتمثيلا من بين مختلف المكونات والكيانات العراقية الشيعية.