فهرس الكتاب

الصفحة 4490 من 7490

…وكانت بدايات هذا الخلط اللغويّ المدهش قد تأسّست لحظة انتقال الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، قبل أكثر من ربع قرن، إلى الحضن السوري. فمن المعروف أن القوميّين السوريّين، على ما تدلّ تسميتُهم نفسها، يقولون بقوميّة سوريّة وأمّة سوريّة، فيما البعث الحاكم في دمشق ومعه جميع القوميّين العرب يقولون بقوميّة عربيّة وأمّة عربيّة. وهو خلاف شهير ترافق مع حرب أهليّة مصغّرة في سورية الخمسينات صاحبها اغتيال القوميّين السوريّين للضابط البعثيّ عدنان المالكيّ، ثم انتقام معسكر القوميّين العرب باغتيال الضابط القوميّ السوريّ الذي فرّ إلى بيروت غسّان جديد. مع هذا، توقّف أتباع"الزعيم"أنطون سعادة (وكان يرى أن العرب هم أبناء"العربة"أي الصحراء) عن تحديد الهويّة الخاصّة بهم منذ شملهم الراحل غازي كنعان بعطفه، فراحوا يقولون"أمّتنا"و"قوميّتنا"و"شعبنا"من غير إيضاح وتحديد.

…وبعد سنوات قليلة، وكانت ثورة آية الله الخمينيّ بدأت تجتذب بعض العرب في موازاة تحالفها مع دمشق، اكتشفنا وجود"هويّة عربيّة إسلاميّة". هكذا نمنا ذات ثلاثاء على أننا ننتمي إلى"أمّة عربيّة"وأفقنا صباح الأربعاء على انتماء جديد إلى"أمّة عربيّة-إسلاميّة". وطبعًا لم يستدع الأمر توضيحًا أو استفسارًا أو حتى مقالًا، كي لا نطلب كتابًا أو دراسة.

…والحال أن جميع القوى المعنيّة حين تضحّي بشيء عزيز كالهويّة (وهي في النهاية، أحزاب هويّة) ، توصل إلينا من المعاني ما يتعدّى الدلالة اللغويّة. ذاك أن تسييد مفردات غامضة كتلك ينمّ عن ضمور البُعد الايديولوجيّ في حركة القوى المذكورة وفي سلوكها، بقدر ما ينمّ عن طغيان البُعد المسمّى استراتيجيًا. فهي مع سورية ومع إيران، وكفى الله المؤمنين القتال. ثم إنها ليست مع سورية وإيران لأن البلدين هذين يصارعان من أجل هويّة معيّنة عزيزة على تلك الحركات، بل لأسباب متعدّدة أخرى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت