تقفون والفلك المسير دائر وتقدرون فتضحك الأقدار فما أحوجنا أن نغادر الوقوف ونسعى للتفكير ثم العمل على صناعة مستقبل لنا دينًا ودنيا، كما نرى الأمم غيرنا تصنع مستقبلها فوق رؤوسنا، وكأننا مواد بناء جامدة لهم يصنعون بها مستقبلهم كيف أرادوا. وعلينا أن نحدد لنا أهدافًا وغاية فتنقلب طبائعها، وتتحرك فيها طاقات ما كان يراها الإنسان في نفسه ولا أمته قبل لحظات الوعي. في طريق البحث عن مادة هذا المقال وجدت نصًا لأحدهم يرثي مستقبل القوة الأمريكية، ويقول:"أمر محزن ألا يكون لدينا تحد كبير، وأكبر منه أن يمر زماننا بهدوء ورغد وسهولة إن ذلك علامة هرمنا وبعث حياة جديدة في مكان آخر من العالم!".
تلك ملاحظات قوم إحساسهم بالتاريخ السارب من اليد عميق، يتتبعون مرور الزمان، ويدرسون ملامح الحضارات وسحنة وجوهها في زمن الشباب والكهولة والشيخوخة. ويبحثون بكل جد عن وسائل تحافظ على حياة حضارتهم أشد من حرصهم على برنامج"كومبيوتري"جديد، أو على صناعة علاج لداء خطر. ومسكين من يفد من عالمنا ليقرأ في هذا الكم الهائل عندهم الذي يبحث في الإستراتيجية أو فلسفة الحضارة، أو مستقبل علاقاتهم بنا أو بغيرنا، لضخامة المادة المتوفرة التي تتجاوز قدرة فرد أو أفراد على الإحاطة بها. وقد نبالغ في تقدير قولهم ودراساتهم ونغر أنفسنا بتتبع آرائهم المتضاربة، أو قول بعضهم ضد بعض. ويخيل لنا أننا بتحيزنا لمدرسة أو فكرة نكون قد حسمنا الصراع لصالح آرائنا العاطفية.