بعد حادث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) بدأ الأميركيون، في ثنايا حملتهم الشاملة على «الإرهاب» ، يدرسون إمكانية تعميم «الصوفية» لتصبح الشكل المستقبلي للإسلام، أو على الأقل تقوي شوكتها ويشتد ساعدها على الساحة الإسلامية، فتخصم من رصيد الجماعات والتنظيمات المتطرفة التي ترفع الإسلام شعارًا سياسيًا لها، والتي أنتج بعضها «تنظيم القاعدة» على شاكلته. ويعول الأميركيون في تصورهم هذا على ما جادت به تجربة النقشبندية في تركيا، حيث استوعب المتصوفة قيم العلمانية، وطوروا رؤيتهم الدينية لتواكب العصر، وتتماشى مع النهج الديموقراطي على مستوى القيم والإجراءات.
في ظل هذا السياق، تأتي الطبعة الثانية من هذا الكتاب ("الصوفية والسياسة في مصر"/ د. عمار علي حسن, دار شرقيات، 220 صفحة, يناير 2007) ، والذي لاقت طبعته الأولى اهتمامًا واسعًا من الأوساط الثقافية والسياسية والدينية داخل مصر وخارجها، لتواصل إسهامها في الجدل الدائر حول مكانة التصوف وتجلياته السياسية، خصوصًا بعد أن أفرد الباحث فصلًا جديدًا في هذه الطبعة، يضع الصوفية المصرية موضع مقارنة بالتصوف في العالم الإسلامي، فكرًا وحركة.
يشير الباحث إلى أن الرؤية الاستراتيجية الأميركية هذه لا تنبع من فراغ، بل تتأسس على جدل طال بين المستشرقين حول ما إذا كان التصوف الإسلامي ينطوي على حلول لمعضلة التطرف، وما إن كان فيه ما يقرِّب بين الإسلام والليبرالية، أو ما يسهل مهمة واشنطن في تجديد مناهج التعليم الديني في العالم الإسلامي.
… فهناك من المستشرقين من يعتبر التصوف «قلب الإسلام» ، ومن يؤكد أن «مستقبل العالم الإسلامي سيكون حتمًا للتيار الصوفي» ، بل إن هناك من بين فقهاء المسلمين أنفسهم من يؤكد أن حل مشاكلنا الحياتية المعاصرة في يد التصوف، ...