هؤلاء القوم الذين عرفوا فيما بعد بـ"الخوارج"لم يكتفوا برفض التحكيم وآثاره إنما خرجوا على خليفة المسلمين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاروا يقومون عليه في المسجد ويصيحون قائلين"لا حكم إلاّ لله"معتقدين أنّ عليًا بلجوئه إلى التحكيم خالف مبدأ أن الحكم لله وحده، وحملهم ذلك على إعلان الحرب على المسلمين وخليفتهم والإفساد في الأرض. وبالرغم من الصرامة التي أبداها علي تجاه إفسادهم، إلاّ أنه كان حريصًا على حوارهم وهدايتهم لعلمه بجهلهم وتنطعهم في الدين، وأن إفسادهم ناتج عن شبهات وجهل، فكان يحاورهم. وفي إحدى المرات أرسل علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو حبر الأمة وترجمان القرآن لمناقشتهم ومحاورتهم في الأمور التي نقموها على علي رضي الله عنه وجعلتهم يخرجون عليه ويفارقون جماعة المسلمين.
وفي السطور القادمة يروي ابن عباس أمر مناظرته مع هؤلاء الخوارج: يقول رضي الله عنه: لما اجتمعت الخوارج في دارها وهم ستة آلاف أو نحوها قلت لعلي: يا أمير المؤمنين لعلي ألقى هؤلاء - أي لأحاورهم - قال: فإني أخافهم عليك، قلت: كلا، فلبس ابن عباس حلتين من أحسن الحلل، وكان جهيرًا جميلًا، قال: فأتيت القوم فلما رأوني قالوا مرحبًا بابن عباس وما هذه الحلة؟ قلت: وما تنكرون من ذلك لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من أحسن الحلل، قال ثم تلوت عليهم: {قلْ مَنْ حَرَّمَ زيِنَة اللهِ التِي أخْرجَ لِعبَادِهِ} سورة الأعراف (32) .
قالوا فما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أمير المؤمنين ومن عند أصحاب رسول الله ?، ولا أرى فيكم أحدًا منهم، ولأبلغنكم ما قالوا، ولأبلغنهم ما تقولون، فما تنقمون من ابن عم رسول الله ? وصهره؟